عبدالله بن محمد آل الشيخ

مكة المكرمة الحكاية.. التي لا تنتهي

الخميس - 26 فبراير 2026

Thu - 26 Feb 2026


ليست مكة المكرمة مدينة تروى حكايتها في سطور.. بل قدر يسكن القلب قبل أن تسكنه البيوت والأماكن، هي البدء الأول للتاريخ الروحي.. ومهوى أفئدة المسلمين.. ومسرى الدعوات الصادقة، منذ أن رفع الخليل قواعد البيت.. فصارت قبلة للأرض ووجهة للسماء.

وأنا أتشرف هذه الأيام من شهر رمضان الكريم المبارك بزيارتها وقضاء عدة أيام بها.. تذكرت ولادتي فيها.. وفي ذاكرتي الأولى رائحة الحصوة بالحرم المكي الشريف، وصوت الخطوات المتتابعة في الطرقات القديمة، وملامح بيوت كانت تطل على النور مباشرة، وما زلت أستعيد صورة منزل سماحة الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ رحمه الله.. رئيس القضاة آنذاك، وهو يشرف مباشرة على الكعبة المشرفة، وكنا ننزل منه بدرج بسيط إلى الحصوة، فتكون الكعبة المشرفة أمامنا بهيبتها التي لا تشبه شيئا في هذا الكون.. كان المكان بسيطا في شكله، عظيما في أثره.. وكانت مكة أقرب إلى القلب من أي وصف.

مكة المكرمة.. عبر تاريخها لم تكن ساكنة يوما... بقدر ما مرت بمراحل عمرانية وإدارية متعددة، لكنها ظلت ثابتة في مكانتها.. متجددة في خدمتها. ومع توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - بدأت مرحلة جديدة من العناية المؤسسية بالحرمين الشريفين.. عنوانها: خدمة الدين والإنسان، ومن بعده واصل أبناؤه ملوك المملكة المسيرة... توسعات متتابعة.. تنظيم أدق، وحرص متزايد على راحة الحاج والمعتمر.

بدأت كما أتذكر بعشرات الآلاف من الحجاج والزوار في عقود مضت... إلى عشرات الملايين اليوم.. أرقام تعكس التحول الكبير، لا في القدرة الاستيعابية فحسب.. بل في منظومة الخدمات الشاملة بتوسعات الحرم وتطوير الساحات، ومشاريع النقل وقطار المشاعر، والنهضة العمرانية المتكاملة التي جعلت مكة المكرمة مدينة عصرية تحتضن التاريخ.. ولا تتخلى عنه.

وفي هذا العهد الزاهر، عهد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان.. شهدت مكة المكرمة نقلة نوعية غير مسبوقة، مشاريع عملاقة، بتخطيط استراتيجي بعيد المدى، واستثمار ضخم في البنية التحتية والتقنيات الحديثة.. كل ذلك لتكون رحلة الحاج والمعتمر أكثر يسرا وأمانا وطمأنينة... إنها رؤية لا ترى الحاضر فقط بل تستشرف المستقبل.. ليبقى البيت العتيق في أبهى صورة، وتبقى مكة المكرمة: عنوان الريادة في خدمة ضيوف الرحمن.

مكة اليوم ليست كما كانت بالأمس.. في عمرانها.. لكنها هي ذاتها في روحها. الطواف هو الطواف، والدعاء هو الدعاء، والدمعة عند أول نظرة إلى الكعبة لا تزال هي ذاتها... تسقط من عين الفقير والغني، القريب والبعيد.. بلا تمييز.
إن الحديث عن مكة وأنا أعيشها ليس حنينا شخصيا فحسب.. بل شهادة جيل رأى التحول بأم عينه: من دروب الحصوة الضيقة إلى الساحات الواسعة، ومن الخدمات المحدودة إلى منظومة عالمية متكاملة، وما بين الأمس واليوم بقيت القيادة السعودية على عهدها ووعدها بأن تضع الحرمين الشريفين في قلب أولوياتها معتبرة شرف الخدمة مسؤولية قبل أن يكون مكانة.

في الختام، وعبر هذه الصحيفة الرائدة.. صحيفة «مكة».. ندعو الله بأن يحفظ لنا قائدي مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، وأن يبارك الله في جهودهما في خدمة مكة المكرمة والمدينة المنورة، والشكر لله موصولا.. للجهات والمنظومة المتكاملة.. من الجهات الحكومية والأمنية والخدمية التي تعمل ليل نهار لتنظيم شؤون العمرة بمكة المكرمة، تتصدرها وزارة الحج والعمرة المسؤولة عن استقبال المعتمرين وتراخيص الخدمات برئاسة معالي وزيرها الموفق د. توفيق الربيعة، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي لخدمات الحرم بقيادة معالي الشيخ د. عبدالرحمن السديس، وإلى اللجنة الدائمة للحج والعمرة بإمارة منطقة مكة المكرمة.. والتي تعمل على التنسيق للجهات كافة العاملة في هذا المجال، والهيئة الملكية لمكة المكرمة، وإلى القطاعات الأمنية كافة لإدارة حركة المعتمرين وتنظيم المداخل، وضمان السلامة للجميع، وأمانة العاصمة المقدسة، والتي تشرف على الخدمات البلدية والنظافة، والتفتيش على منشآت الإعاشة (التغذية)، ووزارة الصحة والهلال الأحمر السعودي: لتقديم الرعاية الطبية والإسعافية للمعتمرين.. وغير ذلك من الجهات الحكومية المشاركة في أعمال الحج السنوية.. والعمرة في هذا الشهر الكريم
وغيره من شهور السنة.. وأن يديم على وطننا وأوطان المسلمين كافة أمنها واستقرارها.. ويكتب لهذه البلاد وقيادتها دوام العز والتمكين، وأن تبقى مكة المكرمة والمدينة المنورة نورا للعالمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. اللهم آمين.. يا رب.

abdsheikha@