ياسر عمر سندي

حوار بين الحائط والتلفاز

الخميس - 26 فبراير 2026

Thu - 26 Feb 2026


يروي الدكتور مصطفى محمود رحمه الله، في إحدى تأملاته أن والدته كانت تفعل أمرا بدا له غريبا في طفولته، حيث كانت تدير التلفاز ليواجه الحائط في شهر رمضان. ويستطرد بقوله: لم تكن ترفض التلفاز، ولم تمنع وجوده، لكنها سحبت عنه سلطته. هذا الفعل البسيط، في شكله، العميق في معناه، يفتح بابا واسعا للتأمل في علاقتنا بالمؤثرات التقنية الحديثة بالصورة والصوت، والإنسان بالنفس والجسد والفكر.

لم تكن والدته كما يحكي رحمها الله ضد التقنية، ولا هي بصاحبة التسلط المطلق لكنها كانت واعية مدركة بأن رمضان شهر مختلف في ظاهره وجوهره؛ شهر يحتاج منا تهذيب الحواس بالالتزام والتكريم لا إغراقها بالانهزام والتسليم، ويدعو لتخفيف الضجيج وإضفاء الهدوء لا مضاعفته بالفوضى والسوء. فالصورة، مهما بدت بريئة مغرية؛ قادرة على اختطاف الانتباه، وسرقة لحظات الصفاء، وتحويل العبادة لعادة وتبدلها من أوقات تجلي لساعات تخلي.
حين تم تحويل التلفاز نحو الحائط، لم يكن الحائط هو المقصود، بل ما سيحدث وراء ذلك الفعل من السكينة، وتلاوة القرآن، والدعاء، وصلاة التراويح، ولمة العائلة.

في زمن لم يكن فيه هذا الكم الهائل من القنوات، ولا هذا السيل من البرامج والمسلسلات، كانت الأم تدرك أن الإفراط في المشاهدة يطفئ وهج الشهر، وأن رمضان لا يحتمل المنافسة بين الشاشة والمحراب. فاختارت الحائط، رمز الصمت، ليحاور التلفاز، رمز الضجيج.

اليوم، تغير المشهد، وتضاعفت الشاشات، وانتشرت الفضائيات ولم يعد التلفاز وحده في الصالة، بل في الجيب، وعلى الطاولة، وفي السرير. أصبح الصوم عن الطعام سهلا نسبيا، بينما الصوم عن التشتت بات هو التحدي الحقيقي.
وهنا يتقدم السؤال الجمعي هل بمقدورنا أن ندير الشاشات ولو معنويا نحو الحيطان؟

الفكرة ليست في المنع، بل في إعادة التوازن. ليس المطلوب أن نقاطع العالم، بل أن نمنع العالم من أن يقتحم كل لحظة فينا. فحين تزدحم الأصوات، يضعف الإصغاء، وحين تفيض الصور، يبهت المعنى. وقد فهمت تلك الأم بالفطرة، ما تؤكده اليوم دراسات علم النفس بأن كثرة المثيرات البصرية تقلل من التركيز والانتباه، وتضعف القدرة على التأمل والطمأنينة.

ذلك الحوار الصامت بين الحائط والتلفاز كان، ولا يزال، درسا في الحكمة؛ وربما لا نحتاج اليوم لندير التلفاز حرفيا، لكننا بالتأكيد بحاجة إلى إدارة قلوبنا وأفكارنا.

والسؤال الذي تركته لنا والدة الدكتور مصطفى محمود رحمهما الله تعالى لا يزال قائما: هل نواجه الشهر بقلوب حاضرة، أم ندير قلوبنا لتواجه الحائط، ونترك الشاشات تقود المشهد؟

Yos123Omar@