حمزة عبدالرحمن الحارثي

ثقافة القرار: لماذا تحتاج المؤسسات إلى هندسة الاختلاف المنضبط؟

الثلاثاء - 24 فبراير 2026

Tue - 24 Feb 2026

معظم الإخفاقات المؤسسية لا تبدأ من استراتيجية خاطئة، بل من افتراضات لم يتم اختبارها بما يكفي.

في قاعات الاجتماعات تبدو القرارات متماسكة، مدعومة بعروض تحليلية وأرقام دقيقة. ومع ذلك، يتضح لاحقا أن بعض المبادرات كان هشا منذ لحظة الموافقة عليه.

المشكلة لم تكن نقصا في الكفاءة... بل غياب آلية منظمة لاختبار القرار قبل الالتزام الكامل به.

وهنا يتضح الفرق بين وجود رأي مختلف، وبين وجود نظام مؤسسي يسمح بفحص القرار دون إضعاف القيادة.

الحوكمة ليست لوائح فقط، عندما أشار سمو ولي العهد إلى أن من أكبر التحديات التي واجهتنا تاريخيا كانت في الحوكمة، كان الحديث عن أكثر من إجراءات تنظيمية. كان الحديث عن ثقافة قرار.

الحوكمة في جوهرها تعني:

وضوح الصلاحيات، تحديد المسؤوليات، قياس الأداء، وقابلية القرار للمراجعة وفق معايير موضوعية. ولا تتحقق هذه العناصر في بيئة تخشى السؤال، بل في بيئة تنظم السؤال.

مفارقة السلطة

السلطة وجدت لتخلق وضوحا واتجاها.

لكنها بطبيعتها قد تخلق حساسية تجاه التحدي غير المنظم.

حين يفهم الاختلاف على أنه مساس بالشخص لا بالقرار، يتقلص التفكير التحليلي، وتتعزز التحيزات، ويصبح التراجع عن قرار غير محسوب أكثر صعوبة.

هنا تظهر الحاجة إلى تصميم معماري للاختلاف. ليس اختلافا عاطفيا،

ولا جدلا شخصيا، بل اختبار منهجي للقرار.

من الاعتراض إلى فحص المخاطر

المؤسسات الناضجة لا تكتفي بدعوة الناس إلى "إبداء الرأي"، بل تعتمد أدوات واضحة مثل:

- اختبار الافتراضات قبل الالتزام.

- تحليل السيناريوهات السلبية المحتملة.

- تحديد مؤشرات الانحراف المبكر.

- الالتزام المرحلي المشروط بالنتائج.

بهذا يتحول الاختلاف من صدام وجهات نظر إلى فحص موضوعي للمخاطر.

السؤال لا يكون: "من على حق؟" بل يصبح: "ما الشروط التي تضمن نجاح القرار؟ وما المؤشر الذي سيخبرنا إن كنا بحاجة إلى تصحيح المسار؟"

الأمان المهني... لا الفوضى

هناك فرق بين حرية غير منضبطة، ومساحة مهنية آمنة لعرض المخاطر.

الأمان المهني يعني: فصل الشخص عن الفكرة، التركيز على الأثر لا على النوايا، تقديم بدائل عملية، احترام صلاحيات اتخاذ القرار النهائي. بهذا ترفع جودة القرار، دون أن تهتز شرعية القيادة.

متى يصبح التنبيه واجبا؟

في حالات تتعلق بـ: مخاطر قانونية، انحرافات أخلاقية، تضليل في البيانات، خسائر مالية جسيمة. إن الصمت ليس حرصا على الاستقرار، بل تقصير في المسؤولية. لكن حتى في هذه الحالات، يظل التركيز على حماية المؤسسة، لا كسب النقاش.

رؤية التحول تحتاج قرارا مختبرا

التحولات الكبرى، خصوصا في بيئات اقتصادية متغيرة، لا يمكن أن تعتمد على توافق سريع غير مختبر.

أخطر جملة في أي اجتماع تنفيذي ليست الاختلاف، بل: "الجميع متفق"، ليس لأن الاتفاق خطأ، بل لأن الاتفاق الذي لم يختبر قد يكون هشا.

المؤسسات التي تصمم آليات مراجعة القرار قبل الالتزام الكامل به، تحمي نفسها من الانحراف المبكر، وتعزز ثقة أصحاب المصلحة.

الخلاصة، قوة المؤسسة لا تقاس بمدى صمت القاعة، بل بمدى صلابة القرار بعد اختباره. الاختلاف المنضبط ليس تهديدا للقيادة، بل أحد أدوات تحسينها. والحوكمة الناضجة لا تضعف السلطة، بل تمنحها عمقا واستدامة.

في مرحلة التحول الوطني، لا نحتاج أصواتا أعلى، بل قرارات أدق. وهنا يكمن الفرق بين ثقافة طموحة... ونظام حوكمة ناضج.