محمد عبدالله البقمي

مسارات غير نظامية

الثلاثاء - 24 فبراير 2026

Tue - 24 Feb 2026

تقرر الدوران بسيارتك إلى الخلف، لذا تلتزم بالمسار الأيسر من الطريق، مئات السيارات أمامك، درجات الحرارة تكاد تلامس الخمسين درجة، وحركة السير بطيئة ومملة، لكنك محكوم بالنظام وبأخلاقك، فجأة يتشكل عن يمينك طابور ثان وثالث ورابع، والجميع يتبارون في التجاوز على المسار النظامي، الذي ما زلت تلتزم به، للأسف تتضاعف مدة انتظارك، ومن مروا بجانبك سبقوك إلى نقطة الدوران، التي ما إن تصلها حتى تضطر إلى الانحشار نحو الرصيف، وكأنك تعاقب على التزامك بالنظام في التو واللحظة!

يتكرر هذا المشهد العبثي أمامك أو تكون أنت أحد ضحاياه، في البقالة، وعند الخباز، وفي محطات الوقود، وفي مواقف السيارات المكتظة، وفي غيرها من ملتقيات الساعين لحاجاتهم، تلتزم أنت ومعك الكثير من العقلاء بالمسارات والتعليمات، ويتجاوزكم من جبلوا على الاستخفاف بالناس وبالنظام!

لا بأس، فالأمر إلى هنا عابر وبسيط، لكن المعضلة حين تجد هذه الروح الجشعة متنفسا في مجالات العمل، وتمتد يدها العابثة إلى مجالات التوظيف، والتدريب، والترقيات، والمكافآت، وحتى في المستشفيات حين يجرؤ أحدهم على تقديم مريض على مريض، ليس لأن حالته طارئة بل لأنه قريب أو من طرف صديق، غير مبال بما يترتب على ذلك من معاناة وهدر صحة آخر، وربما فقدانه لحياته، هنا يكون الضرر متعديا وممتد الأثر إلى يوم الحساب!

لا شك أن القوانين هي عقد الأمان المكتوب؛ لتنظيم حياة البشر وأوقاتهم، وضمان الحقوق والعدالة بينهم، ولأهمية هذا العقد تكلف الحكومات الأفذاذ والنابغين من أبنائها في مختلف التخصصات؛ لكتابة وتجويد تلك القوانين وما يتفرع منها من بنود ولوائح؛ لأن تلك القوانين تمثل روح المجتمع وتاريخه، ولأن صياغتها دون فهم عميق لطبيعة الحياة، وظروف المجتمع ومكوناته وثقافته، ينذر بضعفها، وتعدد الثغرات في موادها وفقراتها وبنودها؛ الأمر الذي يجعلها عرضة للاختراق من قبل أصحاب النزوات، وضعاف النفوس، من يقدمون مصالحهم الشخصية، أو مصالح الأقارب والمعارف على حساب المستحقين نظاما، وبدلا من تأدية الأمانة الموكلة إليهم، تمضي بهم الأيام وهم يقرأون القوانين وبنودها؛ لا لفهمها وتطبيقها كما يجب، بل لاختراقها من أضعف نقطة فيها، وكأنما هم في سباق مع الزمن؛ للحصول على أكبر غنيمة من تلك الوظيفة، حالهم كحال العابث على الطريق، من يندفع نحوك بسيارته مخالفا نظام السير، فتلوذ بالرصيف ليعبر مزهوا بجنونه وعبثيته، وتسلم بروحك وعقلك وأخلاقك، الفرق أن هذا الأخير يهدر وقتك، وقليلا من صفاء روحك وذهنك، أما أولئك فيهدرون الوقت والمال والطموح والطمأنينة، وربما أكثر من ذلك!