نيفين عباس

من الدرعية إلى الدولة الحديثة

الثلاثاء - 24 فبراير 2026

Tue - 24 Feb 2026

يأتي يوم التأسيس السعودي بوصفه لحظة وعي بالامتداد التاريخي، لا باعتباره مجرد محطة احتفالية عابرة، ففي عام 1727م حين بدأت الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية، وضعت اللبنة الأولى لكيان سياسي اختار أن يبني الاستقرار في بيئة كانت تتطلب مشروعا جامعا يعيد تنظيم العلاقات ويؤسس لمرحلة أكثر رسوخا.

إن دلالة التأسيس لا تكمن في الحدث التاريخي وحده، بل في الفكرة التي انطلقت منه؛ فكرة الدولة بوصفها إطارا يحفظ الأمن، ويمنح المجتمع إمكانية النمو، ويصوغ هوية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، لقد كان الاجتماع على مشروع سياسي واضح آنذاك خطوة نوعية في مسار المنطقة، إذ تحول المكان الصغير إلى مركز إشعاع سياسي وثقافي، وأصبحت الدولة عنوانا للنظام بعد زمن من التشتت.

ما يمنح يوم التأسيس عمقه الحقيقي هو استمرارية الأثر، فالدولة التي نشأت قبل ثلاثة قرون لم تبق أسيرة شكلها الأول، بل تطورت عبر مراحل متعددة، محافظة على جوهرها القائم على وحدة الكيان وترسيخ الاستقرار، هذا الامتداد الزمني يعكس قدرة الفكرة المؤسسة على التجدد، ويؤكد أن الشرعية التاريخية حين تقترن بالعمل المؤسسي تصبح عنصر قوة لا يتآكل.

وفي الحاضر تتجلى ثمار ذلك التأسيس في صورة دولة تمضي بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى جذور راسخة ووعي متزايد بأهمية التوازن بين الأصالة والتحديث، إن الاحتفاء بيوم التأسيس لا يعني الاكتفاء باستحضار الماضي، بل استلهام روحه في مواصلة البناء، وتعزيز قيم الانتماء، وترسيخ مفهوم المسؤولية المشتركة تجاه الوطن، إن العلاقة بين الماضي والحاضر في السياق السعودي ليست علاقة انقطاع، بل علاقة تواصل عضوي، فالبدايات الأولى أرست الأسس، والأجيال اللاحقة واصلت التشييد، حتى غدت الدولة نموذجا في قدرتها على الجمع بين الثبات والتحول.

ومن هنا فإن يوم التأسيس يمثل مناسبة للتأكيد على أن قوة الدولة تنبع من عمق جذورها، وأن استقرارها ثمرة رؤية بدأت منذ ثلاثة قرون وما زالت تتجدد في كل مرحلة، بهذا المعنى يصبح التأسيس فعلا ممتدا في الزمن، تتوارثه الأجيال باعتباره مسؤولية وشرفا، ويظل شاهدا على أن البدايات الصادقة قادرة على صناعة مستقبل واثق الخطى.