سعود المشهور

في حضرة الضجيج

الثلاثاء - 24 فبراير 2026

Tue - 24 Feb 2026

في روابي مكة المكرمة، ببيت جدي العتيق بحي الششة، كان رمضان يشبه قصيدة طويلة لا تقرأ إلا مرة في العام.

قبل أذان المغرب بربع ساعة، كان البيت كله ينهض كأنه قلب واحد يخفق بسرعة، أطباق تذهب وأخرى تعود، خطوات تتسابق، أصوات تتشابك، وروائح تعلن أن لحظة الإفطار تقترب وفي النهاية... يسكن كل شيء عند أول تكبيرة من الأذان، ثم يدوي مدفع الإفطار كأنه يوقظ المدينة بأكملها.

هناك زاوية في ذاكرتي لا تفتح إلا في رمضان تفوح منها رائحة البن والهيل، وصوت جدي وهو يوزع كلماته كوصايا، وصوت أبي وهو يطلب الهدوء قبل الأذان، وصوت أمي وجدتي وهما تديران المطبخ كأنهما تحفظان سرا قديما لا يعرفه إلا النساء.

كنا نعيش تلك اللحظات دون أن نفهم قيمتها. كنا نراها عادية... وربما ثقيلة، لم نكن نعرف أن ما كنا نراه "فوضى" كان في الحقيقة حب يتنكر في هيئة ضجيج.

تربيت في عائلة تؤمن بأن الاجتماع العائلي ليس عادة.. بل هوية، ومع ذلك كان البعض منا وخاصة في مرحلة المراهقة يرى في تلك الاجتماعات نوعا من القيد.

كنا نظن أن العالم ينتظرنا خارج الباب، وأن دقائق الجلوس قبل المغرب تسرق من حريتنا. كنا نتذمر من ازدحام المجلس، من صراخ الأطفال، من الأسئلة التي تتكرر كل عام، ومن تلك الجملة التي كانت تقال بحزم وحنان معا "اقعدوا مع بعض.. رمضان مو كل يوم". لكننا لم نكن نرى الصورة كاملة.

لم نكن نرى أن ازدحام السفرة كان علامة حياة.

وأن ضحكات الأطفال كانت بركة.

وأن النصائح التي كنا نعتبرها إلحاحا... كانت محاولة من الكبار ليتركوا فينا شيئا يبقى بعد رحيلهم.

واليوم... تغير كل شيء.

كبر الأطفال، وتفرق الإخوة، ورحل من كانوا يملؤون المكان دفئا وصوتا.

أصبح رمضان أكثر هدوءا... هدوءا يشبه الفراغ.

وأصبحنا نحن - الذين كنا نتذمر - نبحث عن أي لحظة تعيد لنا يوما واحدا فقط من تلك الأيام.

اليوم، حين نتذكر تلك البيوت وتلك الوجوه، ندرك أنهم كانوا يعرفون ما لا نعرفه. كانوا يدركون أن العائلة لا تبقى كما هي، وأن الزمن يأخذ منا أشخاصا لا يعودون، ولحظات لا تتكرر.

كم مرة تمنينا ونحن صغار أن يخف الضجيج؟

كم مرة تمنينا أن نأكل بسرعة لنخرج؟

كم مرة ضقنا ذرعا بالأسئلة التي لا تنتهي؟

واليوم... كم مرة تمنينا أن يعود ذلك الضجيج؟

كم مرة تمنينا أن نسمع صوتا ينادينا من آخر المجلس "تعالوا يا أولاد... لسه باقي ما ذقتم الشوربة".

كم مرة تمنينا أن نسمع صوت الأم وهي تقول "اجلسوا قريبين ... باقي دقيقتين على الأذان".

لقد كنا نرى الفوضى... ولم نكن نرى الحب.

حين يكبر الإنسان... تتغير زاوية النظر، فتصبح التفاصيل الصغيرة أثمن مما نظن، ندرك أن الطمأنينة لم تكن في الأماكن... بل في الأشخاص.

أجمل ما في رمضان ليس الطعام... بل من كانوا يجلسون حوله.

ربما يقرأ هذه الكلمات شاب أو فتاة يشعرون الآن بما كنا نشعر به: أن التجمع العائلي "إلزام"، وأن الوقت مع الأصدقاء أهم، وأن الجلوس قبل المغرب "ممل".

لكن الحقيقة التي لا تدرك إلا بعد فوات الأوان هي أن العائلة ليست دائمة، وأن رمضان ليس مجرد شهر... بل فرصة، وأن الضجيج الذي يزعجكم اليوم... ستشتاقون إليه غدا. اجلسوا معهم، اقتربوا، اسمعوا القصص التي تتكرر كل عام. التقطوا الصور، فما يبقى بعد رحيل اللحظات... هو ما حفظناه منها.

ربما لا نستطيع إعادة الزمن، لكننا نستطيع أن نصنع لحظات جديدة، نستطيع أن نكون نحن الكبار الذين يحافظون على اجتماع العائلة... كما فعل من سبقونا، فالعائلة جذور، والذكريات حياة، ورمضان نعمة... لكننا لا ندرك قيمة النعمة إلا حين نفتقدها. اللهم أعد رمضان علينا أعواما عديدة، لا فاقدين ولا مفقودين.