من التأسيس إلى التزكية.. البدايات عنوان النهايات
السبت - 21 فبراير 2026
Sat - 21 Feb 2026
اليوم «يوم التأسيس»؛ ذكرى تأسيس الدولة السعودية، والذي يأتي في هذا العام متجاورا مع أيام رمضان المبارك، في تزامن لافت، لا بوصفه مصادفة زمنية، بل باعتباره التقاء عميق الدلالة بين تأسيس الوطن وتأسيس الإنسان؛ فكلاهما يبدأ من فكرة واضحة، وقصد مستقيم، وبناء طويل النفس لا يعول على الاندفاع، ولا على الحماسة العابرة.
حين صدر الأمر الملكي الكريم، قبل أربع سنوات، بتحديد يوم الثاني والعشرين من «فبراير» يوما لذكرى تأسيس بلادنا المباركة، لم يكن ذلك استدعاء لحدث تاريخي فحسب، بل تثبيت لمعنى أن هذه الدولة قامت على جذور راسخة، وعلى ارتباط وثيق بين القيادة والناس، منذ أن بدأ الإمام محمد بن سعود في منتصف عام 1139هـ الموافق 1727م، مشروعا تأسيسيا واعيا، جعل من «الدرعية» عاصمة، ومن «القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم» دستورا، ومن «الوحدة والأمن» غاية، بعد «قرون من التشتت والفرقة وعدم الاستقرار».
التأسيس لم يكن سهلا، ولا قصير الطريق؛ فقد واجه محاولات الإلغاء، وتعرض للانكسار، لكنه لم يهزم في معناه، فبعد سبع سنوات فقط من انتهاء الدولة السعودية الأولى، قيض الله الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، ليعيد البناء ويؤسس الدولة السعودية الثانية، ثم جاء بعد ذلك جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، ليؤسس الدولة السعودية الثالثة ويوحدها باسم المملكة العربية السعودية، بعد انتهاء الدولة السعودية الثانية بعشر سنوات، على النهج والبناء ذاتهما، و»سار أبناؤه الملوك من بعده على نهجه في تعزيز بناء الدولة ووحدتها».
هذا الحس التأسيسي هو ذاته ما يستحضره رمضان في أيامه الأولى؛ فالصيام، في جوهره، ليس امتناعا عن الأكل والشرب فحسب، بل تأسيس وإعادة ترتيب للنوايا، وضبط للبدايات، وتحرير للعبادة من نزق الحماسة المؤقتة؛ وكما أن الدول لا تبنى بالقفز على المراحل، فإن التزكية لا تقوم على الاندفاع الموسمي؛ فرمضان شهر التزكية والوعي، لا شهر الامتناع عن الطعام فقط؛ ففيه تراجع النيات، وتهذب الأخلاق، ويختبر صدق الالتزام لا مظهره، وهو موسم لإعادة ترتيب العلاقة مع الله، ومع النفس، ومع الناس؛ بالصمت عما لا ينفع، وبالعدل في الخصومة، وبالرحمة عند القدرة.
في الأسبوع الأول من رمضان، تحديدا، يختبر معنى التأسيس؛ فليس المهم كثرة الأعمال، بل صحة الاتجاه، وليس المهم ارتفاع السقف، بل صلابة القاعدة، لأن البدايات الخاطئة تتعب أصحابها، أما البدايات الراسخة فتمنحهم القدرة على الاستمرار دون إنهاك، ولا شك أن الفرق بين بناء يبقى وبناء ينهار، ليس في الحماسة، بل في الحكمة؛ وهذا ما يجمع بين يوم التأسيس ورمضان، فكلاهما يعلم أن الاستدامة لا تصنعها القفزات العالية، بل الخطوات الواثقة، وأن ما يبنى على وضوح القصد، والانضباط، والعدل، يملك القدرة على الصمود، حتى إن تعرض للتعثر.
أختم بأننا نحتفل بيوم تأسيس وطن لم يقم على ظرف عابر، بل على رؤية ممتدة عبر ثلاثة قرون، ونحتفي بشهر رمضان لأن فيه فرصة لإعادة تأسيس الإنسان من الداخل، على نية صادقة، وسلوك متزن، وعبادة تثمر أثرا يتجاوز أيام الشهر، وكلنا نعلم أن البدايات الصحيحة في الأوطان كما في النفوس هي التي تصنع الاستمرار، وتحمي المنجزات، وتبني ما يبقى.. رمضان ينبهنا، ويوم التأسيس يذكرنا بأن ما بني بحكمة دام بحمد الله، وسيدوم بتوفيقه عز شأنه؛ ورحم الله تعالى ابن عطاء الله السكندري الذي قال في حكمته المشهورة: «من أشرقت بدايته أشرقت نهايته».