عبدالخالق المحمد

«بيان تلبيس دعاة الديانة الإبراهيمية الجديدة كيف حولوا إبراهيم من كائد للأصنام محطم لها إلى جامع بان لها؟!»

الخميس - 19 فبراير 2026

Thu - 19 Feb 2026


ليست أعظم صور التحريف أن ينكر الحق، بل أن يبقى اسمه وتبدل حقيقته.

فإن إنكار الشيء يوقظ العقول، أما تبديل معناه مع الإبقاء على عنوانه فهو أدق مسالك التلبيس وأخطرها؛ إذ يظن الناس أنهم أمام الأصل، وما هم إلا أمام صورة منزوع منها روحها. وقد ذم الله سبحانه وتعالى ذلك الخلط ونهى عنه في كتابه العظيم فقال: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون).

وقال: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون). وقال في ذم اليهود: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولٰكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا).

وفي هذه السلسلة من المقالات سنتناول بعضا من الحقائق حول هذه الدعوة وبيان ما فيها، ومن أول هذه الأمور وأهمها: من هو إبراهيم الذي تدعون إلى الاجتماع عليه؟ من هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الإسلام؟ كيف قدمه الإسلام وعرف به؟ ومن هو إبراهيم في ديانتكم الجديدة؟ وكيف قدمتموه وعرفتم به؟

إن إبراهيم الذي تريدون جمع الأديان عليه ليس رسولا صاحب رسالة محددة، ولا داعية إلى عقيدة بعينها، ولا مصححا لانحرافات عقدية بل جعلتموه رمزا روحيا وصنما معنويا لتركعوا له ما عتى عليكم من معتقدات دينية راسخة كالولاء والبراء، وسنن كونية ثابتة كالاختلاف والافتراق، إنها كما يقال محاولة لعولمة الدين وإذابته، واقتلاعه من جذور النفس البشرية لتحل محله الإنسانية المدعاة.

أما إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الإسلام فهو صاحب رسالة وعقيدة محددة وملة واضحة المعالم يدعو إليها، إنه يدعو للتوحيد ونبذ كل أنواع الشرك والكفر قال تعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين).

وتجعل الإبراهيمية الحديثة إبراهيم مشكلا بمزاج ليبرالي، إذ تجعله نموذجا للإنسان المؤمن بالله كيفما فهمه، فلا يطرح مفهوم الحنيفية بمعناه العقدي الحاسم، ولا المفاصلة مع الشرك، ولا تصحيح الاعتقاد. بل تبرز الروحانية والسلام والوئام.

فأعادت تشكيله ليكون نموذجا للإيمان العام لا للتوحيد المحدد.
وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الإسلام فهو الذي وجه وجهه خالصا لله مصرحا بتوحيد الله ونبذ الشرك فقال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين).

وهو الذي قال لقومه مفاصلا مع الشرك وأهله: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون).

ويجعل دعاة الإبراهيمة المحدثة إبراهيم مسالما موائما مهادنا للمعتقدات الدينية بصورها وأصنامها المادية والمعنوية كافة، جامعا لها في بيت واحد!

وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الإسلام فهو المصحح للعقائد الصادع بالحق الذي أتاه الله الحجة القولية والفعلية، فقال تعالى :(وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم) فحطم الأصنام قوليا وفكريا في عقول أصحابها ببيان عجزها وضعفها فقال: (هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون) وقال: (ألا تأكلون * مالكم لا تنطقون). ثم حطمها فعليا بيده وأبقى كبيرها لعلهم إليه يرجعون، قال: (وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين* فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون).

إن إبراهيم الذي تدعون إليه، وللاجتماع في بيته وتحت مظلته، ليس هو النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بل هو رمز ألهتموه واسم عبدتموه ينطبق عليه قول الله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى).
ختاما، فإن قيل: إن المقصود من الدعوة الإبراهيمية هو جمع الناس على أصل الإيمان بالله، وترك أسباب النزاع والخلاف.

قيل: إن كان المراد بالإيمان ما كان عليه إبراهيم عليه السلام من توحيد خالص، وبراءة من الشرك، ومفاصلة مع أهله، فقد وافقتم الإسلام في الاسم وخالفتموه في الحقيقة؛ إذ لا يكون التوحيد توحيدا حتى ينفى الشرك، ولا تكون الحنيفية حنيفية حتى تخالف ما سواها.

وإن كان المراد بالإيمان إقرار كل إنسان على ما يعبد، وجمع التوحيد والشرك تحت مظلة واحدة، فقد نسبتم إلى إبراهيم ما تبرأ منه، وكذبتم صريح القرآن، إذ قال: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، وقال: ﴿وما أنا من المشركين﴾.
فأجيبوا عن هذا:
أكان إبراهيم مقرا بعبادة غير الله أم منكرا لها؟
فإن قلتم: كان مقرا بها، فقد كذبتم القرآن.
وإن قلتم: كان منكرا لها، بطل قولكم إنه رمز جامع لكل المعتقدات.

فليس النزاع إذن في اسم إبراهيم، وإنما في حقيقته؛ إبراهيم النبي الداعي إلى التوحيد، أم إبراهيم الرمز الذي صنع ليسوى به بين التوحيد والشرك؟
وإن أخطر ما في هذه الدعوة أنها لا تهدم الدين صراحة، بل تفرغه من معناه؛ فتبقي الاسم وتسقط المضمون، وتعلي شعار إبراهيم، ثم تنزع منه الحنيفية، وتدعو إلى بيته، ثم تدخل فيه ما حطمه بيده.

وهذا هو التلبيس بعينه: أن يجعل محطم الأصنام حارسا لها، وأن يحول إمام المفاصلة إلى رمز للمساومة، وأن ينسب إلى خليل الرحمن ما قام عمره كله على إبطاله.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرح قبل كل حديث عن «الديانة الإبراهيمية» ليس: هل نجتمع على إبراهيم؟
بل: أي إبراهيم تريدون؟
إبراهيم الذي قال: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾،
أم إبراهيم الذي يراد له أن يقول: لكم دينكم ولي دينكم جميعا؟
فإن كان الأول، فهذه هي ملة الإسلام.

وإن كان الثاني، فذلك إبراهيم آخر، ما أنزل الله به من سلطان كما مر في قوله تعالى: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى).