تركي القبلان

إدارة النفوذ عبر الميليشيات: من تكتيك التوسع إلى مأزق العزلة

الأحد - 15 فبراير 2026

Sun - 15 Feb 2026


حين يطرح الحديث عن «إدارة النفوذ عبر الميليشيات» فإن المقصود ليس واقعة عابرة ولا اتهاما أخلاقيا في سياق سجال سياسي، بل نمط استراتيجي في توسيع المجال الحيوي للدولة عبر أدوات غير رسمية تعمل خارج إطار الدولة الوطنية في البيئات الهشة. نحن هنا لا نناقش الشعارات المعلنة ولا نحاكم النوايا المصرح بها، لكننا نفحص البنية التي ينتجها هذا الخيار على المدى المتوسط والبعيد: كيف يبنى النفوذ؟ بأي أدوات؟ وما الثمن التراكمي الذي يدفع من رصيد الشرعية والمكانة والثقة؟ السؤال المركزي إذًا: إلى أين يقود هذا المسار من يتبناه؟

من هذا المنطلق لا يعود الجدل حول الوقائع الجزئية هو جوهر المسألة؛ فتراكمها في حد ذاته يصبح مؤشرا على اتجاه عام يستحق التوقف عنده. حين تتكاثر الأدلة وتتقاطع المؤشرات حول نمط سلوك بعينه يتصاعد السؤال وينتقل من «هل حدث ذلك؟» إلى «ماذا يعني استمرار حدوثه؟» وهنا تحديدا يبرز ما لا يمكن تجاوزه: الكم التراكمي للتقارير بلغ حدا بات معه الطعن في وجود النمط أقرب إلى إنكار الواقع منه إلى نقاشه. ولا أعرف في المقابل كم تحتاج أبوظبي من مؤشرات إضافية لتدرك أن الاستمرار في هذا المسار يقودها إلى مأزق عزلة إقليمية ودولية تتسع دوائره تدريجيا.

فالعزلة في التاريخ السياسي لا تبدأ بقرار فجائي ولا بإعلان صاخب بل تبدأ بمسار؛ بخيارات صغيرة تتراكم وحسابات قصيرة المدى تؤجل مراجعتها ثم تتحول مع الوقت إلى بنية يصعب تفكيكها. وكل مسار لا يراجع في لحظته المناسبة يتحول من تكتيك عابر إلى مأزق بنيوي معقد. وثمة تناقض بنيوي يسكن نموذج النفوذ غير الرسمي في صميمه. فهو يمنح في المدى القصير أوراق ضغط سريعة وقابلة للإنكار، ويخفض كلفة الانخراط الرسمي، ويوسع الحيز الجيوسياسي دون التعريض لمساءلة مباشرة. لكنه في المقابل يستنزف بالتدريج أثمن ما تملكه الدولة في العلاقات الدولية: ألا وهو الشرعية لا بوصفها شعارا أخلاقيا بل بوصفها رأسمال سياسيا يبنى بالتراكم ويهدر بالتآكل الصامت. وكلما ازداد ارتباط اسم الدولة بشبكات مسلحة موازية تضاءل هامش الثقة لديها، وتعاظمت كلفة شراكاتها وتحول كل تقرير جديد من حدث عابر إلى قرينة جاهزة في سجل آخذ في الرسوخ.

الأخطر من الصورة الخارجية أن هذا النمط يعيد رسم البيئة التي ينشأ فيها. فحين يدار النفوذ عبر وكلاء مسلحين في دول مجاورة لا تتضرر صورة الدولة فحسب بل تعاد هندسة التوازنات المحلية في تلك الدول على نحو يضعف منطق الدولة الوطنية لصالح منطق الكيانات الجزئية. وهنا يتحول السؤال من مستوى الاتهام الأخلاقي إلى مستوى الحساب الاستراتيجي الصارم: هل يمكن لدولة أن تراهن على تفتيت نموذج الدولة في محيطها الإقليمي دون أن ينعكس ذلك على موقعها ودورها وصورتها؟ التاريخ لا يقدم إجابة مطمئنة لمن يغامر بهذا الرهان.

والمسار الذي تبنيه هذه الاستراتيجية لا يصحح بسهولة؛ فهو يبدأ قابلا للإنكار ثم يصبح قابلا للتبرير، ثم يضحي جزءا من الهوية السياسية ذاتها. وعند تلك اللحظة لا تعود المراجعة قرارا إجرائيا بسيطا بل تحول مؤلم يستلزم إعادة تعريف الوظيفة والدور والأدوات في آن واحد. والاستنزاف الصامت أشد خطورة من الصدام المباشر، لأنه لا يطلق إنذارات مبكرة؛ إذ يبدو في بدايته نفوذا متناميا فيما هو في حقيقته تسليم تدريجي لرأس المال السياسي الذي يمنح الدولة مكانتها وقدرتها على التأثير.

السؤال المشروع إذًا ليس عن صحة التقارير أو جدوى التكتيك في لحظة بعينها، لكن أبعد من ذلك عن الوجهة العامة للاستراتيجية وثمنها الفعلي في أفق زمني أوسع. النفوذ الحقيقي لا يبنى عبر تفكيك الدول المجاورة بل عبر استقرارها؛ لأن الدولة المستقرة شريك قابل للحساب، أما الدولة الهشة فهي فوضى تمتد آثارها حتما إلى ما وراء حدودها. والشراكات المؤسسية بما تنطوي عليه من قواعد معلنة وتكاليف شفافة وعلاقات قابلة للترميم أكثر استدامة من الشبكات الموازية التي تمنح نفوذا سريعا ثم تنقلب على أصحابها حين تتغير الظروف أو تتكشف الخيوط.

التاريخ مليء بدول ظنت أنها توسع ظلها فاكتشفت متأخرة أن الظل حين يتمدد دون ضابط يبدأ بابتلاع الجسد نفسه. والفارق بين القوة الناجحة والقوة المستنزفة لا يكمن في امتلاك أوراق الضغط إنما في القدرة على إدارتها دون أن تنقلب إلى أوراق اتهام، وفي توسيع النفوذ دون إفقار رأس المال السياسي الذي يمنح هذا النفوذ معناه ومداه.

في المحصلة ليست المسألة سجالا إعلاميا ولا خصومة عابرة لكنه خيار استراتيجي تتحدد به ملامح الدور ومكانة الدولة في النظامين الإقليمي والدولي. كل دولة تمتلك الحق في السعي إلى تعظيم نفوذها لكن السؤال الحاسم هو: بأي أدوات وضمن أي تصور طويل المدى للشرعية والاستقرار؟ النفوذ الذي يبنى على هشاشة الآخرين يظل هشا بدوره، أما النفوذ الذي يستند إلى استقرار البيئة المحيطة وشراكاتها المؤسسية فهو وحده القادر على الصمود. وبين الطريقين فارق ليس في السرعة بل في المصير.

TurkiGoblan@