دراسة ملف القضية وصناعة الحُجة
الأحد - 15 فبراير 2026
Sun - 15 Feb 2026
ليست الخصومة القضائية معركة أوراق، بل معركة فهم. وكثير من القضايا لا تخسر لضعف النص النظامي، ولا لقصور في الوقائع، وإنما تخسر بسبب قراءة سطحية لملف الدعوى. فملف القضية ليس سردا يحكى، بل بنية من المعاني يجب تفكيكها قبل إعادة تركيبها في صورة حجة مقنعة. ومن هنا تبدأ صناعة المرافعة الحقيقية: من الطاولة، لا من منصة الجلسة.
المرحلة الأولى في دراسة الملف ليست البحث عن الانتصار، بل البحث عن الحقيقة القانونية. ويقتضي ذلك فصل الوقائع المجردة عن التوصيفات الانفعالية، وترتيب المستندات ترتيبا زمنيا يكشف تسلسل الأحداث لا كما رواها الموكل، بل كما تثبتها الأوراق. فكثير من التناقضات لا تظهر في السطور، وإنما في المسافة بين مستند وآخر، أو في تاريخ يتعارض مع دعوى، أو في عبارة صيغت بعناية ثم نسفها توقيع لاحق. القراءة المهنية لا تسأل: ماذا قال الخصم؟ بل تسأل: ماذا يمكن أن يفهم القاضي من هذا القول؟
ثم تأتي مرحلة التكييف، وهي أخطر مراحل دراسة الملف. فالواقعة لا قيمة لها في ذاتها ما لم تربط بنص، والنص لا يفعل ما لم يسقط على واقعة منضبطة. والتكييف ليس اختيار مادة نظامية فحسب، بل هو تحديد الطبيعة القانونية للنزاع: هل هو إخلال تعاقدي؟ أم خطأ تقصيري؟ أم نزاع حول تفسير شرط؟ إن خطأ التكييف ينتج مسارا خاطئا منذ البداية، وقد يغلق أبوابا كان يمكن أن تفتح لو وصف النزاع وصفا أدق. فالتكييف الخاطئ لا تصلحه بلاغة المذكرة، ولا تنقذه كثرة الاستشهادات.
بعد التفكيك والتكييف، تبدأ صناعة الحجة. والحجة القضائية ليست رأيا مؤكدا، بل بناء منطقي له أركان: توكيد يحدد محل النزاع بدقة، وتعليل يبين لماذا يستحق موكلك الحماية، وتدليل يسند القول بمستند أو نص. والحجة القوية لا تكتفي بعرض ما يفيدها، بل تجيب ضمنا على ما قد يثيره الخصم، فتسبق دفعه قبل أن يبديه. ومن أخطر أخطاء المحامين أن يكتبوا مذكرتهم وكأنهم يخاطبون أنفسهم، لا عقل القاضي الذي يبحث عن الاتساق قبل الاقتناع.
ومن المزالق الشائعة في دراسة الملف الانحياز العاطفي للموكل، أو تجاهل المستند الضار أملا في أن يغفل عنه الخصم. غير أن القاضي يقرأ الملف كاملا، وما يهمل في الدراسة يعود ليظهر في الحكم. كما أن التسرع في كتابة المذكرة قبل تحديد سؤال القضية المركزي ينتج دفاعا متشعبا يضيع فيه جوهر النزاع.
إن الدراسة الجيدة لملف القضية تقلل المفاجآت، وتضبط مسار المرافعة، وتختصر زمن التقاضي. ومنهجها العملي يبدأ بقراءة شاملة دون أحكام مسبقة، ثم قراءة تحليلية مع تدوين الملاحظات، ثم صياغة القضية في سؤال واحد واضح: ما الذي أريد من المحكمة أن تقرره؟ بعد ذلك فقط تستدعى النصوص، ويبنى عليها البناء الحجاجي.
الحكم لا يولد في الجلسة، بل يتكون تدريجيا في ذهن القاضي وهو يقرأ. ومن أحسن قراءة الملف، أحسن توجيه هذا التكوين. فملف القضية مادة خام، والمحامي الحاذق هو من يحسن تحويلها إلى حجة لا تقنع فحسب، بل ترشد المحكمة إلى الطريق الذي تراه عدلا ومنطقا.
expert_55@
الأكثر قراءة
وزارة التعليم تعتمد ميثاق "المراجعة الداخلية" لترسيخ الحوكمة والشفافية
عندما يرسم الفنان مدينة يغيب فيها الإنسان
عام غير صناعة الراوتر في السعودية
من ندم نوبل إلى صدمة هينتون... هل نكرر الخطأ ذاته؟
بين طموح «الرؤية» وتحديات «المهارات»: قراءة نقدية في مستقبل الإعلام السعودي
تراث الإنسانية وأزمة الحياة المعاصرة