الصحافة بين صناعة الرأي وملاحقة المزاج الرقمي
الأحد - 15 فبراير 2026
Sun - 15 Feb 2026
لم يعد السؤال حول قوة الصحافة في تشكيل الرأي العام سؤالا نظريا كما كان قبل عقدين؛ بل أصبح سؤالا وجوديا في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، ففي زمن كانت فيه الصحف الورقية والنشرات الإخبارية هي البوابة الأساسية للمعلومة، كان من السهل القول إن الصحافة تقود النقاش العام وتحدد أولوياته، أما اليوم حيث تتدفق الأخبار عبر المنصات الاجتماعية والخوارزميات، يبدو المشهد أكثر تعقيدا: هل فقدت الصحافة قدرتها على صناعة الرأي العام، أم أن تأثيرها تغير شكله فقط؟
تشير دراسات إعلامية حديثة إلى أن الجمهور بات يعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية للحصول على الأخبار، وهو ما قلل من احتكار المؤسسات الصحفية لعملية تحديد الأجندة الإعلامية.
تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية يوضح أن نسبة كبيرة من الجمهور العالمي تستهلك الأخبار عبر وسائل التواصل، وأن فئة متزايدة أصبحت تتجنب الأخبار التقليدية بسبب الإرهاق المعلوماتي أو فقدان الثقة، هذا التحول جعل الصحافة تبدو وكأنها تلاحق المزاج العام بدلا من أن تقوده.
لكن هذا الاستنتاج قد يكون متسرعا، فحتى في البيئة الرقمية، ما تزال المؤسسات الصحفية تنتج التحقيقات العميقة والتقارير التحليلية التي تعاد صياغتها وانتشارها عبر المنصات الأخرى، بمعنى آخر قد لا تكون الصحافة هي أول من ينشر الخبر، لكنها ما تزال تلعب دورا محوريا في تفسيره ومنحه المعنى والسياق، فالتأثير هنا لم يختف، بل تحول من التأثير المباشر السريع إلى تأثير تراكمي طويل الأمد في تشكيل الوعي العام.
في العالم العربي، تتخذ هذه التحولات بعدا إضافيا، فالمجتمعات تشهد نموا سريعا في استهلاك المحتوى الرقمي، بينما تحاول الصحافة التقليدية إعادة تعريف دورها بين السرعة المطلوبة والمهنية المفترضة، بعض المؤسسات انزلقت نحو ملاحقة «الترند» لتحقيق الانتشار، مما أضعف صورتها كمرجع موثوق، في المقابل نجحت تجارب صحفية أخرى في استثمار العمق التحليلي والتحقيقات الاستقصائية لتعزيز حضورها وتأثيرها، مؤكدة أن القيمة الصحفية لا تقاس بعدد «النقرات» فقط.
إذن، قد يكون السؤال الأدق ليس: هل ما زالت الصحافة تصنع الرأي العام؟ بل: كيف تصنعه اليوم؟ فالتأثير لم يعد يقوم على احتكار المعلومة، بل على القدرة على تفسيرها وتقديمها ضمن إطار مهني يميز الحقيقة من الضجيج، وفي زمن تتداخل فيه الأخبار مع الآراء والانطباعات الشخصية، تصبح الحاجة إلى الصحافة المهنية أكثر إلحاحا لا أقل.
في النهاية، لا يبدو أن الصحافة فقدت قدرتها على التأثير بقدر ما غيرت أدواته ومساراته، لم تعد تصنع الرأي العام وحدها كما في السابق، لكنها ما زالت قادرة على توجيه النقاش ومنح الأحداث معناها وسياقها وسط فوضى المنصات، السؤال الحقيقي ليس إن كانت الصحافة تقود أو تلاحق، بل إن كانت قادرة على استعادة دورها كمرجع مهني يوازن بين سرعة العصر وعمق التحليل، فإذا نجحت في ذلك، ستظل شريكا أساسيا في تشكيل الوعي العام، حتى في زمن لم تعد فيه الصوت الوحيد.
Fheedal3deem@
الأكثر قراءة
وزارة التعليم تعتمد ميثاق "المراجعة الداخلية" لترسيخ الحوكمة والشفافية
ليس كل قطع قطيعة ولا كل صلة حكمة
عام غير صناعة الراوتر في السعودية
عندما يرسم الفنان مدينة يغيب فيها الإنسان
من ندم نوبل إلى صدمة هينتون... هل نكرر الخطأ ذاته؟
بين طموح «الرؤية» وتحديات «المهارات»: قراءة نقدية في مستقبل الإعلام السعودي