وليد سعد الشهري

هندسة القرار - كيف تتخذ المدن قراراتها لحظة بلحظة؟

الأحد - 15 فبراير 2026

Sun - 15 Feb 2026


في النموذج التقليدي لإدارة المدن، كان القرار الحضري يشبه رسالة طويلة الأمد: تخرج من مكتب صغير، تنتقل عبر مسارات إدارية متعددة، وتصل أخيرا بعد أن يكون الواقع قد تغير بالكامل. كانت القرارات تصاغ بعد تفاقم الأزمة، وبعد أن تتكدس الشكاوى، وتصبح المشكلة واضحة للجميع. لكن المدن الحديثة لم تعد تعمل بهذه الوتيرة؛ فقد انتقلت إلى نمط جديد يقترب من عمل «غرفة عمليات متصلة»، تتعامل مع المكان كما يتعامل الطبيب مع المؤشرات الحيوية لجسد مريض، وتتخذ القرارات بسرعة تغير المشهد الحضري نفسها.

وهنا يظهر مفهوم هندسة القرار بوصفه لا يتعلق بسرعة الاختيار فحسب، بل ببناء عقل تشغيلي قادر على التفكير بوعي، والاستجابة في اللحظة المناسبة، وفهم العلاقة العميقة بين الحركة والسلوك والزمان والمكان.

فعندما تتغير كثافة المرور في شارع ما خلال دقائق، لا تنتظر المدينة الحديثة اجتماعا ولا تفسيرا مطولا. تظهر البيانات مباشرة أمام صانع القرار عبر لوحة تشغيل حضرية، ويبدأ النظام في تنفيذ سلسلة من الخيارات: تحويل الحركة إلى محاور بديلة، إعادة ضبط الإشارات، رفع مستوى مراقبة الميدان، أو تنشيط فرق التدخل السريع. هذه القرارات لا تنطلق من الحدس، بل من بيانات مكانية دقيقة وموحدة، وهي البيانات التي تعتمد عليها الجهات الحكومية في المملكة من خلال المرجعية الوطنية التي تبنيها وتشرف عليها الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA.

ولفهم كيفية اتخاذ القرار داخل المدينة، يجب النظر إلى العناصر الأربعة التي تشكل «طريقة تفكيرها»: المكان، السلوك، البيانات، والقيم. هذه العناصر تعمل كوحدة واحدة، وتترجم في المعادلة الفكرية WQ التي تؤكد أن القرار السليم لا يقوم على رقم واحد، ولا على تحليل ميكانيكي، بل على قراءة تربط بين سلوك الناس، والبنية المكانية، وهدف القرار، وعدالته. فالمدينة لا تدار بخوارزمية رياضية فقط، بل بمعادلة تحترم الإنسان والمكان معا.

وحين يمتلك القائد الحضري هذه الرؤية الرباعية، يصبح قادرا على إدراك أن المشاكل اليومية - مثل الاختناقات أو اضطراب الحركة أو الضغط على المحاور الحيوية - ليست ظواهر مرورية بحتة، بل مخرجات لسلوك مكاني نشأ بفعل تصميم المدينة نفسها. لا يمكن معالجة نقطة اختناق دون فهم العلاقة بين شكل الشارع، والسلوك الذي ينتجه، والعدالة في توزيع الحركة، ومسار الرحلات في ذلك الحي. وهنا يأتي دور الجيومكانية التي تمنح القرار أساسه المكاني الصلب، من خلال البيانات الموحدة، والمعايير الوطنية، والسجل الجيومكاني الذي يضمن أن كل قرار مبني على «موقع موثوق».

لكن هندسة القرار لا تعمل داخل فراغ؛ فهي تعتمد على إطار تشغيلي واضح المعالم. تقوم مصفوفة RACI بتحديد من يتخذ القرار، ومن ينفذه، ومن يستشار، ومن يتابع أثره. هذا التنظيم يشبه النظام الذي تعمل به غرف التحكم في الطيران أو طب الطوارئ. فالمدينة التي تعرف من يقود القرار، ومن يفعله، وكيف يتابع، هي مدينة قادرة على الاستجابة بلا ارتباك.

وفي قلب هذه المنظومة يقف التوأم الرقمي الحضري الذي يعد بمثابة مرايا متعددة تعكس المدينة في لحظتها الحقيقية. فإذا حدثت أزمة مفاجئة، يقوم التوأم الرقمي بمحاكاة مجموعة واسعة من السيناريوهات، ويعرض أفضل مسار للحل، والزمن المتوقع، والأثر على الأحياء المجاورة. ليست هذه محاكاة نظرية؛ بل نماذج تبنى على طبقات بيانات دقيقة توفرها GEOSA، ما يجعل التنبؤ أقرب ما يكون إلى الواقع.

وتتقدم هندسة القرار خطوة أخرى حين تجعل المدينة قادرة على التعلم. فبعد تنفيذ أي قرار، تقاس آثاره مباشرة عبر مؤشرات الأداء KPIs: هل انخفض وقت الرحلة؟ هل استجابت المدينة بأسرع مما كان متوقعا؟ هل أثر القرار في السلامة أو الانسيابية؟

تستخدم هذه النتائج لتعديل الإجراءات أو اعتمادها كنموذج دائم، وهكذا يتحول القرار من «نهاية العملية» إلى بداية دورة جديدة من تحسين مستمر.

والمدن التي نجحت في تحسين حركتها - مثل سنغافورة ولندن وسيول - لم تتفوق لأنها أنشأت طرقا جديدة، بل لأنها أعادت هندسة طريقة اتخاذ القرار.

سنغافورة خفضت أوقات الذروة لأنها ربطت القرار بالبيانات اللحظية. لندن تعاملت مع الذروة بوصفها سلوكا قابلا للتغيير. سيول أعادت توزيع الحياة الحضرية لأنها ربطت القرار بالفضاء العام نفسه.

وفي المملكة، تبنى اليوم أسس هندسة القرار على مرجعية مكانية وطنية موحدة تقودها GEOSA، ما يجعل أي قرار حضري أكثر دقة، وارتباطا بالواقع، وقابلية للتنفيذ، وقائما على معلومات سيادية موثوقة، وهو ما تحتاجه المدن لكي تعمل بثقة وتتحرك بكفاءة.

وفي المقال القادم سنتجه نحو المستقبل مباشرة: كيف ستعيد المركبات ذاتية القيادة، وشبكات المترو الحديثة، والممرات الذكية تعريف معنى الحركة في المدينة؟

EngWalid67@