بين طموح «الرؤية» وتحديات «المهارات»: قراءة نقدية في مستقبل الإعلام السعودي
الأحد - 15 فبراير 2026
Sun - 15 Feb 2026
لم يعد الإعلام السعودي مجرد واجهة لنقل الفعاليات أو صياغة الأخبار، بل أضحى اليوم «محركا اقتصاديا» مستقلا ضمن قاطرة رؤية السعودية 2030م. هذا ما أكده «تقرير حالة قطاع الإعلام في السعودية 2025م»، الذي رسم ملامح تحول تاريخي، كاشفا عن خارطة طريق تسعى لتحويل الإبداع إلى مليارات الريالات.
بالأرقام.. اقتصاد إعلامي متسارع
تشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن سوق الإعلام في المملكة يتهيأ للوصول إلى 41 مليار ريال بحلول عام 2030م. هذا النمو ليس مجرد توسع كمي، بل هو قفزة نوعية في المساهمة الاقتصادية، حيث يتوقع أن يرفد الناتج المحلي بـ47 مليار ريال، مع خلق 150 ألف فرصة عمل للشباب السعودي الذي يمثل الوقود الحقيقي لهذا القطاع، بوجود 71% من السكان دون سن الخامسة والثلاثين.
ركائز النمو: من الشاشة إلى «اليد»
حدد التقرير مسارات تقود هذا الانفجار الإبداعي، وهي:
- الألعاب الالكترونية: الحصان الرابح بتوقعات مساهمة تصل إلى 50 مليار ريال بحلول 2030م.
- الكتب والنشر: يشهد هذا القطاع تحولا جوهريا يتجاوز الطباعة التقليدية إلى «صناعة المحتوى المعرفي» بأنواعه كافة، من الكتب الورقية والرقمية إلى الكتب الصوتية التي تشهد نموا متصاعدا، مع التركيز على إثراء المحتوى المحلي وتعزيز حركة الترجمة والنشر الذاتي، مما يجعله رافدا ثقافيا واقتصاديا لا يستهان به.
- الإعلام المرئي: ازدهار السينما والإنتاج المحلي.
- الإعلان والتسويق: الذي يستعد للاستحواذ على 90% من حصة السوق الإعلاني رقميا بحلول 2029م.
في تحول استراتيجي لافت، يتجاوز الإعلام السعودي مستقبلا مفهوم «اقتصاديات الوسائل» التقليدية التي تركز على القنوات والمنصات كأوعية ناقلة، ليتوسع نحو «اقتصاديات الإبداع». هذا التوجه يمثل ثورة في أركان العملية الاتصالية كافة؛ حيث لا تكتفي الصناعة بتطوير «الوسيلة» (القناة أو التطبيق)، بل تركز ثقلها الاستثماري على «المحتوى» كأصل استثماري بحد ذاته. في هذا النموذج، تصبح جودة الفكرة، وابتكار السرد، وعمق التأثير هي المحرك الأساسي للقيمة الاقتصادية، مما يعيد صياغة العلاقة بين المرسل والمستقبل لتصبح قائمة على القيمة المضافة والإبداع لا مجرد الانتشار.
قراءة في مكامن القوة ومخاطر الضعف
رغم التفاؤل الكبير، تضع القراءة النقدية للتقرير القطاع تحت المجهر عبر تحليل رباعي يوضح التحديات والفرص:
- مكامن القوة: تستند المملكة إلى بنية تحتية رقمية هي الأقوى إقليميا، مدعومة بثقة شعبية عالية في المؤسسات الإعلامية الوطنية، وزخم حكومي غير مسبوق عبر «الهيئة العامة لتنظيم الإعلام».
- نقاط الضعف (التحدي الأكبر): تبرز الفجوة بين الطموح والمهارات؛ حيث لا يزال القطاع يعاني من نقص في الكفاءات الفنية المتخصصة في بعض مجالات ما قبل وأثناء وما بعد إنتاج المحتوى والتقنيات اللازمة له، بالإضافة إلى الحاجة لتطوير نماذج استثمارية ذات ربحية مستدامة.
- الفرص الكامنة: تتمثل الفرصة الذهبية في «تعطش» الجمهور لمحتوى سعودي أصيل ينافس المحتوى الإقليمي والعالمي، ودمج الذكاء الاصطناعي لرفع جودة الإنتاج وتخصيص تجارب المستخدم الفرد والمجتمع والمؤسسات.
- التهديدات القائمة: يبقى التهديد الأبرز هو هيمنة المنصات الرقمية العالمية التي تمتص جزءا كبيرا من الإنفاق الإعلاني أو الدخل عموما، مما يستوجب تعزيز السيادة الرقمية والابتكار المحلي.
إن الانتقال المنشود يتجاوز حدود «إعلام الأخبار والأحداث» الذي يكتفي برصد الواقع، لينطلق نحو «إعلام الإلهام الإِفهام»؛ وهو النمط الذي يرتكز على التحليل المعمق، والتفسير المنطقي، والمصداقية العالية مع الحفاظ علي الاستباقية والمبادرة التي تبني جسور الثقة مع المتلقي في جميع انحاء العالم.
السعودية اليوم لا تبني منصات إعلامية فحسب، بل تؤسس لنظام صناعة الإعلام يعتمد على «قوة الفكرة وإبداع المحتوى»، لتصدر قصتها إلى العالم بأدوات احترافية وعقول مبدعة تصنع الحدث ولا تكتفي بنقله.
aabankhar@
الأكثر قراءة
وزارة التعليم تعتمد ميثاق "المراجعة الداخلية" لترسيخ الحوكمة والشفافية
ليس كل قطع قطيعة ولا كل صلة حكمة
عام غير صناعة الراوتر في السعودية
عندما يرسم الفنان مدينة يغيب فيها الإنسان
من ندم نوبل إلى صدمة هينتون... هل نكرر الخطأ ذاته؟
بين طموح «الرؤية» وتحديات «المهارات»: قراءة نقدية في مستقبل الإعلام السعودي