عندما يرسم الفنان مدينة يغيب فيها الإنسان
الأحد - 15 فبراير 2026
Sun - 15 Feb 2026
صديقي فنان موهوب قام برسم لوحة فنية لمدينة تضمنت أشجارا وقناة مائية ومنازل تتخللها طرق ومسارات للمشاة. سألته كيف ظهرت هذه الأفكار في ذهنك؟ وما هو الأساس المنهجي الذي استندت إليه في بناء هذه اللوحة الفنية؟ فقال لي بفخر: ظهرت هذه الأفكار مباشرة فرسمتها وأقترح أن يتم تنفيذها. فقلت له إنك حقا فنان موهوب؛ ولكن الموهبة وحدها ليست كافية لوضع تصور يمكن ترجمته فعليا. على الرغم أنك رسمت هذه اللوحة؛ إلا أنك لا تستطيع تفسيرها بمنطقية.
في التخطيط العمراني لا يكفي أن نقوم برسم أشكال مجردة لوضع تصور مستقبلي للمدينة دون أن ندرك النصوص الاجتماعية. وعلى ذلك، تساعدنا نظرية التخطيط في فهم الأسس المنهجية للحلول التي يمكن أن نضعها. هذه الأسس النظرية تم استنباطها من التجارب التاريخية التراكمية التي مرت بها المدن، بما في ذلك الثورة الصناعية في أوروبا والاقتصاد الرأس مالي، والنظم السياسية، وقضايا العدالة الاجتماعية. تمخضت هذه التجارب عن دروس عدة أعادت صياغة نظرية التخطيط لتنحو باتجاه مبادئ الاستدامة التي توازن بين الأبعاد الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية. وفي الوقت ذاته، لا تزال نظرية التخطيط تعطينا دروسا حول المواضيع المعاصرة في المدن وتأثير الثورة المعلوماتية، وعولمة المدن، وسباق التحول نحو المدن العالمية. تبدو نظرية التخطيط بمثابة السردية التي تحكي لنا تطور تخطيط المدن من الحلول القائمة على لجان التخطيط التقليدية وأيديولجيات المخططين إلى الحلول التشاركية المستندة إلى المشاركة المجتمعية وأطر الحوكمة العادلة.
صديقي العزيز، إذا لم تستوعب نظرية التخطيط فلا يمكنك فهم ظاهرة التحضر المصاحبة لقضايا الموارد، والسكان، والفقر، والجريمة، والإسكان، والتوزيع المكاني للأنشطة، والهيمنة الاقتصادية، والتهميش الاجتماعي للفئات المستضعفة. وإذا كنت لا تعرف أن هذه المواضيع من صميم قضايا المدن فهذه ليست مشكلتي. إنك تتعامل مع المدينة باعتبارها حيزا مكانيا مجردا دون ارتباط بالسياق التشريعي، والاجتماعي، والاقتصادي. نظرية التخطيط هي التي تساعدنا على التفكير الشمولي والتفاعل مع الواقع بطريقة إيجابية والتنبؤ بالمستقبل. من هنا تبدأ عملية التخطيط، من الإطار الذي يمنح المدينة روحها ووظيفتها وعدالتها.
إن التخطيط العمراني ليس مجرد مخطط فني أو معايير ومعدلات تخطيطية وأكواد يتم تنفيذها دون وعي؛ بل هو منهج للارتقاء بالمجتمع وفعل اجتماعي، وسياسي، واقتصادي. القرار الذي لا يستند إلى فهم نظرية التخطيط هو قرار لا يستجيب لحياة المجتمع وتعقيدات المدينة. إن العدالة الاجتماعية، والمشاركة والديموقراطية ليست مفاهيم مجردة؛ بل هي قضايا تعيشها المدينة بأحياء سكنية معزولة، وعشوائيات، وفئات مهمشة، وتفاوت في الوظائف وفرص الوصول العادل للموارد، وقرارات مرتجلة تتخذ دون مشاركة.
مهلا، فقبل أن ترسم أي خط أو شارع أو ساحة أو بلوك سكني، عليك أن تعرف أولا من المستفيد ومن المتضرر؟ عليك أن تستحضر مفهوم «المصلحة العامة» وآليات التوفيق بين المصالح المتضاربة، وحقوق الفئات المستضعفة. عليك أن تفهم أن المدينة ليست لوحة فنية؛ بل هي نتاج مخاض طويل وتفاوض بين قوى المصلحة العامة، والسوق، والمجتمع، والقيود الاقتصادية والتشريعية والبيئة. هذه العوامل مجتمعه تحدد ما إذا كانت المدينة قادرة على أن تكون مسرحا اجتماعيا ناضجا يقدم رسالته السامية ويرتقي بأساليب المعيشة؛ أم هي مجرد كيان اسمنتي.
صديقي العزيز، عذرا يقودنا عدم فهم نظرية التخطيط إلى حلول سطحية ساذجة تماما كتلك الصورة القبيحة التي رسمتها للتو، والتي يبدو في ظاهرها الجمال وفي باطنها القبح.