تريليون دولار جاهزة للاستحواذ
الخميس - 12 فبراير 2026
Thu - 12 Feb 2026
عزيزي القارئ، تخيل أن أكبر 18 شركة دوائية في العالم اليوم على «وفرة في السيولة المالية» مخصصة فقط لشراء شركات أخرى أو الدخول في صفقات ضخمة. الأرقام تقول إن هذه الشركات تمتلك قدرة تمويلية قد تصل إلى حوالي 1.2 تريليون دولار إذا قررت استخدام أقصى طاقتها في الاقتراض والاستثمار، إضافة إلى أكثر من 500 مليار دولار يمكن استخدامها بهامش آمن دون أن تتعرض ميزانياتها لخطر كبير. هذا لا يعني مجرد وفرة في السيولة، بل يعني أننا ربما نقف على أبواب مرحلة جديدة من موجات الاندماج والاستحواذ التي قد تعيد رسم خريطة صناعة الدواء عالميا خلال السنوات القليلة المقبلة.
فكرة «وفرة في السيولة المالية» تقوم على سؤال بسيط: إلى أي مدى تستطيع الشركة أن تقترض وتمول صفقات جديدة من دون أن تضع نفسها في منطقة خطرة ماليا؟ عزيزي القارئ، المحللون يحسبون ذلك عبر مقارنة حجم الديون بأرباح الشركة التشغيلية السنوية (قبل الفوائد والضرائب وغيرها)، ويعتبرون أن الوصول إلى ثلاثة أضعاف الأرباح تقريبا مستوى «مريح» وآمن يحافظ على تصنيف ائتماني جيد. هذا ما يسمى «القوة المريحة». أما إذا سمحت الشركة لنفسها برفع الديون حتى خمسة أضعاف الأرباح، فإنها تدخل فيما يسمى «القوة المتمددة»، أي استعداد أعلى لتحمل المخاطر مقابل اقتناص فرص كبيرة قد لا تتكرر. وعندما نجمع هذه القدرات عبر أكبر الشركات، نصل إلى رقم 1.2 تريليون دولار من «السيولة المالية» المحتملة.
في قمة الهرم، تقف شركات مثل جونسون آند جونسون، روش، ميرك، ونوفو نورديسك، ولكل منها قدرة مريحة تقدر بما بين 58 و63 مليار دولار، ترتفع إلى ما يقارب 113-119 مليار دولار أمريكي إذا استخدمت السيناريو المتمدد. هذه شركات تملك ميزانيات قوية ونشاطا متنوعا بين الأدوية الموصوفة، واللقاحات، والأجهزة الطبية، ومنتجات المستهلكين، ما يمنحها حرية واسعة في اختيار الفرص. شركة تستطيع أن تضيف عشرات المليارات من الديون ومع ذلك تبقى في نطاق مقبول ماليا، قادرة في الواقع على شراء شركة متوسطة بالكامل، أو الاستحواذ على أدوية جاهزة في مراحل متقدمة، أو توقيع صفقات ترخيص ضخمة لأصول دوائية مبتكرة من دون أن تهتز ثقة المستثمرين بها.
يلي ذلك، صف قوي من الشركات مثل نوفارتس، إيلي ليلي، آبفي، فايزر، أسترازينيكا، وسانوفي، بقوة مالية متمددة تتراوح بين 70 و92 مليار دولار، وقوة مريحة بين تقريبا 20 و45 مليارا. هذه المجموعة تعيش تحت ضغط ما يسمى «هاوية براءات الاختراع»، أي أن العديد من أدويتها الناجحة ستفقد حماية البراءة قريبا وتواجه منافسة الأدوية الجنيسة، خصوصا في مجالات مثل الأورام وأمراض المناعة والقلب. هنا يصبح السؤال: كيف تحافظ هذه الشركات على نمو إيراداتها؟ تطوير دواء جديد من الصفر قد يستغرق عشر سنوات أو أكثر، لذلك يكون الطريق الأسرع أحيانا هو الاستحواذ على شركات تقنية حيوية لديها أدوية في المراحل السريرية المتقدمة، أو تقنيات منصات واعدة في العلاج الجيني، أو العلاجات الخلوية، أو استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية.
مع ذلك، لا يعني وجود هذه القوة التمويلية أن الشركات ستنفق بلا حساب؛ فبيئة أسواق المال اليوم أصعب مع ارتفاع أسعار الفائدة وتشدد البنوك والجهات الرقابية. هناك شركات عرفت بأنها حذرة بطبيعتها، تفضل الاحتفاظ بهوامش أمان عالية تحسبا للمفاجآت، سواء كانت قضايا قانونية، أو مشكلات تتعلق بسلامة الأدوية، أو أوبئة جديدة. في المقابل، رأينا شركات مثل «أسترازينيكا» وتأكيدا في الماضي لا تتردد في رفع مستويات الدين نسبيا إذا وجدت فرصة استحواذ تغير شكل محفظتها بشكل جذري وتفتح أمامها مجالات نمو جديدة.
من زاوية أخرى، يعيش كثير من شركات التقنية الحيوية الناشئة الصغيرة وضعا معاكسا تماما؛ فهي تعاني من صعوبة الوصول إلى التمويل من صناديق الاستثمار، بينما تملك الشركات الكبرى مئات المليارات الجاهزة. هذا التناقض يخلق حالة ضغط تدفع العديد من الشركات الصغيرة إلى قبول عروض استحواذ أو شراكات بشروط قد لا تكون مثالية، فقط لضمان استمرارها. هنا تستفيد الشركات العملاقة من قوتها، فتختار بعناية: تشتري الأصول التي تكمل ما لديها، أو تغلق فجوات واضحة في محفظتها، أو تمنحها دخولا قويا في مجالات صاعدة مثل أدوية السمنة من فئة GLP-1، والعلاجات الموجهة للشيخوخة، والعلاجات الجينية والخلوية.
يثير بعض الخبراء مخاوف من أن تؤدي موجة استحواذات واسعة إلى تركز قدر كبير من الابتكار في أيدي عدد محدود من الشركات، ما قد يقلل المنافسة على المدى الطويل، ويجعل كثيرا من شركات التقنية الحيوية الناشئة تفكر في «الخروج السريع» عبر البيع بدلا من بناء شركات مستقلة قوية. كما أن الاعتماد الزائد على الاستحواذ بدل الاستثمار في البحث الداخلي قد يضعف ثقافة الابتكار العميق داخل بعض الشركات الكبرى. لذلك سيتعين على الهيئات التنظيمية في أمريكا وأوروبا وغيرها أن توازن بين تشجيع الاستثمار، وحماية المنافسة، وضمان مصلحة المرضى عند مراجعة الصفقات الكبرى.
nabilalhakamy@