ما معنى أن نحب لغتنا؟
الخميس - 12 فبراير 2026
Thu - 12 Feb 2026
من المخيف جدا، والمؤلم كثيرا، حالة الضعف اللغوي الموجودة اليوم في مهارات اللغة العربية جميعها بين أبناء العربية على جميع المستويات، والمحزن هو المجاهرة بها؛ فلم يعد الأمر مما يستحيا منه كما كان في السابق، وكأن الخطأ في اللغة العربية اليوم أصبح ميزة ولا سيما إن كان الشخص من متقني اللغة الإنجليزية، فهذه الأخيرة هي صك الشفاعة الذي يحرره من خطيئة الجهل بالعربية تلقيا وإنتاجا.
إن تلك الكارثة لم تعد خاصة بالطلاب فقط؛ بل عمت المجتمع كبارا وصغارا، متخصصين وغير متخصصين، وإن كان مما يندى له الجبين أن تأتي من متخصصين يرجى أن يكونوا هم القدوة لكل من حولهم.
والحديث هنا ليس عن الخلط اللغوي بين لغتين، ولا عن التبديل اللغوي بين اللغة العربية وبين غيرها أثناء الحديث أو الشرح ولا سيما الإنجليزية اليوم؛ فهذا أمر آخر له علاقة بعوامل متعددة ومتداخلة إضافة إلى الأصالة والانتماء والهوية، وهو عملية قد تكون اختيارية وقد تصبح لا شعورية مع التعود عليها، ولها أسبابها النفسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والثقافية، والحديث فيها طويل وذو شجون، وإنما الحديث هنا عن الضعف في اللغة العربية نفسها، واستمراء الجهل بقواعدها وبناها وتراكيبها وأساليبها، والخطأ فيها، وعدم المبالاة بالخلط بين الصواب وبين الخطأ في استعمالها، إلى جانب عدم احترام المستويات المختلفة للغة والمناسب منها لكل مقام.
ولا شك في أن حاملي لواء العربية من المتخصصين والأساتذة والمعلمين والمدربين؛ بل ومن الآباء والأمهات أيضا، يتحملون المسؤولية الكبرى في الواقع الذي تعيشه العربية اليوم حديثا واستماعا وقراءة وكتابة؛ بل ومكانة وحظوة؛ لأنهم القدوة لأبنائنا وطلابنا وشبابنا الذين يعول عليهم وطننا في حفظ هويته، وحماية تراثه الديني، والوطني، والعربي، وفي بناء مستقبله والوصول به إلى الصدارة والعالمية الحقة وبلغته العربية؛ وذلك لأن استسهالهم التجاوزات التي ترتكب في حق اللغة العربية، وعدم إنكارهم إياها؛ بل وتعاطيهم معها، وتسويغها، وأحيانا الدفاع عنها، هو في حد ذاته الخنجر المسموم الذي يغرس في خاصرة العربية ليس على حين غرة؛ بل في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع الجميع، حتى هان الأمر وبات سهلا مقبولا لا يستحيا من إنكاره.
وإن من المؤسف حقا أن نغرس في أبنائنا بذور النفاق اللغوي التي تجعلهم اليوم لا يجدون غضاضة في الاحتفاء باللغة العربية، وإقامة المناسبات في تمجيدها، ورفع الرايات والشعارات في محبتها في الوقت الذي لا تظهر هذه المحبة في واقعهم؛ لا اختيارا لها، ولا حرصا على سلامتها، ولا إتقانا لمهاراتها، ولا تمكنا وقدرة على التلقي والإنتاج الصحيح بها إلا من رحم الله، ويمكننا أن نتحدث بلا حرج عن العجز عن الإبداع والابتكار بها.
إن الخلط اللغوي والتبديل اللغوي في ظل عولمة اللغة الإنجليزية أصبح مألوفا حتى في بعض المحاضرات اللغوية الصرفة التي محورها اللغة العربية وصيانتها، وهذا لا يعني قبوله، ولكن يمكن أن يكون له أسبابه كما أن له علاجه لمن أراد، ولمن صفت نيته مع اللغة العربية وأخلص لها، ولكن الغريب هو هذا الضعف المزري في اللغة العربية اليوم لدى الطلاب، والأغرب أنهم يحرزون الدرجات الكاملة وشبه الكاملة في مقرر اللغة العربية! فهل هذا يعود إلى تلك الوريقات التي يحفظونها عن ظهر قلب قبل الاختبار؛ ليكون الاختبار مقياسا لتحصيلهم فيها، أم بسبب المقررات التي غصت بالقواعد المطلوب حفظها لا تطبيقها، وأحيانا التي لا تتناسب مع طبيعة المرحلة ولا طبيعة الفترة الحضارية التي يعيشها الأبناء، ولعلي أقف هنا على سبيل المثال لا الحصر على أوزان اسم الفاعل واسم المفعول واسم الآلة والقياسي والسماعي من هذا الأخير المقرر في الصف السادس الابتدائي؛ وقد كلفتني إحدى القريبات بالمذاكرة لابنها؛ ففوجئت بأن الابن يحفظ الأوزان لكنه لا يستطيع أن يميز على أرض الواقع بين وزن مسطرة وبين وزن منشار وكذلك بينهما وبين وزن غسالة مثلا، ويمكن القياس على ذلك؛ فما الفائدة إن لم يستطع أن يقول إن مسطرة مفعلة، ومنشار مفعال، وغسالة فعالة؛ بل لم يجب عليه في الصف السادس الابتدائي أن يحفظ هذا، وهو أمر سيأتي بالسليقة إن أحسنا اختيار مفردات المقررات التي يجب أن يدرسها الطلاب، إن هذا الطالب وأمثاله كثير قد تعطلت لديهم ملكة الحس اللغوي التي تجعلهم يزنون الكلمات بشكل طبعي؛ لأنه - بكل أسف - تم استبدال جانب من جوانب التحصيل المعرفي وهو التلقين وقياس التذكر بتلك الملكة والمهارة، ثم ما فائدة أن يعرف طالب في الصف السادس أن اسم الآلة ينقسم إلى قسمين قياسي وسماعي، وماذا سيفيد لغته العربية وهو في هذه السن، وما فائدة ذلك حين نطالبه باسم على وزن مفعلة مثلا فلا يستطيع أن يجيب إلا مما تم تلقينه وحفظه؟ ليس فقط القواعد؛ بل أيضا التدريبات والأنشطة التي تبقى بلا حل، لأسباب لا يمكن تفسيرها إلا بسؤال ممتد لكل الجهات ذات الصلة ابتداء بالمعلم مرورا بالطالب والوكيل أو المدير والمشرف وانتهاء إلى كل من ساهم في وضع المقرر؛ إذ ليس الأمر كسلا أو تهاونا؛ بل هو شيء أكبر من هذا بكثير، شيء له علاقة بالشعور بعدم الجدوى والفائدة طالما أن الدرجات النهائية (الهدف) لا علاقة لها بذلك المقرر الذي حرص على كل شيء إلا ما وقر في القلب تجاه العربية وما انساب منها على اللسان سليما عذبا نقيا، أم أن ذلك الضعف بسبب طرائق التدريس واعتمادها على التلقين وربما يظهر هذا بالمقارنة مع طرائق تدريس الإنجليزية لهؤلاء الأطفال أنفسهم ولكن ليس هنا أيضا؛ بل في الخارج؛ إذ وجدت من خلال دراسة قمت بها تقارن بين تدريس مادة الإنجليزية هنا وبين تدريسها في الخارج للطلاب؛ فكان البون شاسعا بينهما؛ ليس في الدرجات؛ فالدرجات كاملة! وإنما في امتلاك المهارة من خلال التدريس والمقررات، أم أنه بسبب تلك الشمعة التي تحترق من أجل هؤلاء الطلاب؛ المعلم، ليس بصفته شخصا منزوعا من مجتمعه وإنما بصفته عضوا في جسد كبير قد يؤدي الخلل في بعض أعضائه إلى خلل فيه هو أيضا، أم بسبب النفاق اللغوي المستشري في المجتمع الذي يجعلنا نقول ما لا نفعل، نحب الإنجليزية وننبهر بمن يجيدها، ونتنافس في إجادتها، ونعير بعضنا بالتقصير والخطأ فيها، وننعزل أياما وأشهرا كي نتقنها، ونقرأ الصحف والروايات بها، ونشاهد المسلسلات والأفلام بها بلا ترجمة؛ كي نجيدها، ونسمع الأغاني بها، ونحول أجهزتنا إليها؛ ونستميت من أجل اجتياز اختباراتها الدولية، كل ذلك وأكثر كي نتقنها بلا أخطاء ونكتسبها بثقة، والمتميز من ينطق بها مثل نطق أهلها، ولا بأس بكل ذلك؛ بل هو مطلوب لأنه من الإتقان الذي حثنا عليه نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولكن لم لا يحدث ذلك مع اللغة العربية؟ لماذا لا نشعر بالحرج من الخطأ في لغتنا؟ لماذا لا نستحيي من عدم إتقان الحديث بالفصحى، ومن الأخطاء الإملائية في الكتابة، ومن عدم القدرة على الصياغة الصحيحة والتعبير السليم بها، ومن استبدال الكلمات الإنجليزية اليومية البسيطة بكلماتنا العربية، لماذا؟ ثم نتحدث عن مكانة اللغة العربية! أي مكانة تلك للغة لا يجد أبناؤها غضاضة في ارتكاب الأخطاء بها؟ بل ويتندرون بتلك الأخطاء ويتخذونها مادة للهزل والتندر والترويح عن النفس، أي مكانة تلك للغة لا يستطيع أبناؤها كتابة صفحة سليمة بها؟ أو إلقاء كلمة إبداعية صحيحة بها في خمس دقائق؟ أي مكانة تلك للغة يستبدل أبناؤها الإنجليزية بها دون ضرورة تستدعي ذلك، وبكل فخر واعتزاز؟ أي مكانة للغة لم يعد أبناؤها من المتخصصين وغيرهم يخجلون من الأخطاء التي يكتبونها حتى في وسائل التواصل ولا سيما رسائل التواصل التي يسلم بعضهم زمام كتابتها إلى برامج الكتابة الصوتية لتكتب ما لم تتمكن منه بعد وتتدرب عليه وتعيث في العربية فسادا، ثم يتم إرسالها بلا حياء، لا أقصد هنا الكتابة بالعامية؛ فهذه قد يلتمس لها بعض العذر؛ لأننا اليوم نعيش ازدواجية كتابية فرضتها علينا وسائل التواصل الاجتماعي شئنا أم أبينا، وإنما المقصود الكتابة باللغة العربية الفصيحة التي استهان بها أبناؤها، واستهانوا بمشاعر محبيها وعشاقها فبعثوها إليهم عبر تلك الوسائل مشوهة ملطخة بالأخطاء.
إن ما سبق - وهو قليل من كثير - يتعارض مع حب اللغة العربية وهيبتها ومكانتها المستمدة من شرف حملها كتاب الله - عز وجل - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومن كونها لغة العرب التي تجمعهم وتوحدهم وتحمل إرثهم وعليها تتوقف وحدتهم وهيبتهم أمام العالم، ومن كونها لغة هذا البلد المبارك مهبط الوحي وأرض الحرمين؛ لغة شريعته ودستوره؛ لغة القرآن، القيمة العظمى التي تنطلق منها المملكة العربية السعودية اليوم في اهتمامها البالغ بها ودعمها غير المحدود لها مجندة كل إمكاناتها في سبيل حمايتها، وتطويرها، وتمكينها، ونشرها، وتأمين مستقبلها من خلال جهودها المشهودة متمثلة بداية في مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية الذي حقق العالمية فعلا لا قولا، تشهد بذلك إنجازاته الجبارة في العناية باللغة العربية، وإعلاء شأنها، والعمل الدؤوب على تمكينها لدى الصغار والكبار، العرب وغير العرب، المسلمين وغير المسلمين، محليا، وإقليميا، وعالميا، مرورا بكل الجهود التي انضوت تحت لوائه وتضافرت معه في نيل هذا الشرف وعلى رأسها مركز الملك عبد الله للسياسات اللغوية والتخطيط اللغوي، وانتهاء بكل الجهود الرسمية وغير الرسمية، الفردية والجماعية، الداخلية والخارجية من أبناء العربية ومحبيها المخلصين.
إن هيبة اللغة العربية اليوم تستدعي صحوة لغوية لدى كل مواطن يعتز بلغته ويستشعر المنة العظيمة التي امتن الله بها عليه وعلى وطنه بهذه اللغة الشريفة؛ ويدرك عظم الأمانة التي يحملها؛ فلا يتراخى عن القيام بواجبه الوطني تجاهها - كل في موقعه -، ودعم السياسة اللغوية للدولة وجهودها التخطيطية والتنفيذية في إعلاء شأن اللغة العربية وتحقيق الأمن اللساني لها؛ إذ لن يتحقق أمن اللغة العربية على ألسنة أبنائها إلا بتضافر الجهود جميعها وأداء كل مسؤوليته وواجبه تجاه وطنه ولغته؛ فحب اللغة العربية ليس كلاما يقال، ولا قصائد تنشد، ولا شعارات ترفع؛ بل هو مسؤولية تقتضي ترجمة ذلك الحب إلى واقع، وليس فقط من المواطنين؛ فالعربية مسؤولية الجميع؛ جميع المواطنين، جميع المسلمين، جميع العرب، وجميع المحبين.
hindalimg@