فيصل الشمري

الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل العالم: كيف ستتعامل الحكومات مع عصر القرار الخوارزمي؟

الثلاثاء - 10 فبراير 2026

Tue - 10 Feb 2026

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة، بل تحول إلى قوة بنيوية تعيد تشكيل العالم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ما نشهده اليوم ليس ثورة تقنية عابرة، بل انتقال حضاري شبيه بما أحدثته الثورة الصناعية، مع فارق جوهري يتمثل في سرعة التحول وعمقه واتساع نطاقه. هذا الواقع يفرض على الحكومات، قبل غيرها، إعادة تعريف دور الدولة وحدود السيادة وأدوات التنظيم.

تاريخيا، تعاملت الحكومات مع التكنولوجيا بوصفها قطاعا اقتصاديا أو أداة إنتاج. غير أن الذكاء الاصطناعي كسر هذا الإطار التقليدي، لأنه يتداخل مباشرة مع صنع القرار، وسلوك المجتمعات، وإدارة المعرفة، وحتى مفهوم الحقيقة ذاته. الخوارزميات اليوم لا تكتفي بتحليل البيانات، بل تؤثر في الرأي العام، وتوجه الأسواق، وتعيد صياغة مفهوم العمل والإنتاج. ومن هنا، يصبح السؤال المركزي ليس "كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟" بل "كيف نحكمه دون أن يحكمنا؟".

على المستوى العالمي، يتوقع أن يعمق الذكاء الاصطناعي الفجوة بين الدول. الدول التي تمتلك البنية التحتية الرقمية، والبيانات، والقدرة التشريعية المرنة، ستتحول إلى قوى عظمى رقمية. في المقابل، ستواجه الدول المتأخرة خطر التبعية التقنية، حيث تصبح مستهلكة للتقنيات دون قدرة حقيقية على توجيهها أو التحكم في آثارها. هذا المشهد يعيد إنتاج أنماط جديدة من عدم التوازن الدولي، ولكن بأدوات غير عسكرية.

اقتصاديا، سيعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة الوظائف. ستختفي مهن تقليدية، وتظهر وظائف جديدة أكثر تعقيدا، تتطلب مهارات تحليلية وإبداعية عالية. هنا ستقف الحكومات أمام اختبار صعب: إما الاستثمار المبكر في التعليم وإعادة التأهيل، أو مواجهة اضطرابات اجتماعية ناتجة عن البطالة التقنية. الحكومات التي تتعامل مع هذا التحول بعقلية رد الفعل ستدفع ثمنا سياسيا واقتصاديا باهظا.

أما على الصعيد الأمني، فإن الذكاء الاصطناعي يفتح أبوابا غير مسبوقة، من الحروب السيبرانية، إلى أنظمة المراقبة الذكية، إلى التزييف العميق للمعلومات، تصبح الحدود بين الأمن والخصوصية أكثر هشاشة. الحكومات ستجد نفسها مضطرة للموازنة بين حماية الأمن القومي والحفاظ على الثقة المجتمعية. الإفراط في الرقابة قد يولد استقرارا ظاهريا، لكنه يحمل في داخله بذور التآكل السياسي.

في هذا السياق، ستتباين نماذج تعامل الحكومات مع الذكاء الاصطناعي. النموذج الأول هو النموذج التنظيمي الصارم، حيث تسعى الدولة إلى فرض أطر قانونية مشددة لضبط استخدام الخوارزميات وحماية البيانات. هذا النموذج يقلل المخاطر الأخلاقية، لكنه قد يبطئ الابتكار. النموذج الثاني هو النموذج الليبرالي، الذي يطلق العنان للسوق والشركات مع تدخل محدود، ما يعزز الابتكار السريع، لكنه يزيد من مخاطر الاحتكار والفوضى المعلوماتية. أما النموذج الثالث، وهو الأكثر توازنا، فيقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، مع أطر حوكمة مرنة وقابلة للتحديث.

استشرافيا، من المرجح أن يتطور دور الحكومات من "منظم" إلى "مصمم منظومات". الدولة المستقبلية لن تكتفي بوضع القوانين، بل ستشارك في بناء البنى الرقمية الوطنية، وتوجيه استخدام الذكاء الاصطناعي نحو أولويات التنمية، مثل الصحة، والتعليم، وإدارة المدن. في هذا الإطار، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة سيادة، لا مجرد منتج تجاري.

في العالم العربي، يبرز التحدي بشكل مضاعف. الفرصة التاريخية متاحة للقفز على مراحل تنموية تقليدية، لكن ذلك يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، واستثمارا جادا في رأس المال البشري، وتشريعات واضحة تحمي الابتكار دون خنقه. الدول التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه مشروعا وطنيا، لا ملفا تقنيا، ستكون الأقدر على الاستفادة من موجته القادمة.

خلاصة القول، إن الذكاء الاصطناعي لن ينتظر الحكومات حتى تتأقلم. هو يتقدم بسرعة تفوق الإيقاع السياسي التقليدي. الحكومات التي تدرك طبيعة هذا التحول، وتتعامل معه بعقل استشرافي هادئ، ستنجح في توظيفه لتعزيز الاستقرار والتنمية. أما التي تتأخر أو تكتفي بالمعالجة السطحية، فقد تجد نفسها أمام واقع جديد لا تملك أدوات السيطرة عليه. المستقبل لن يكون للذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل لمن يحسن فهمه وحوكمته.