سعود المشهور

من ندم نوبل إلى صدمة هينتون... هل نكرر الخطأ ذاته؟

الاثنين - 09 فبراير 2026

Mon - 09 Feb 2026

في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي ترفا فكريا أو نقاشا أكاديميا. لقد أصبح جزءا من تشكيل مستقبل الدول والمجتمعات، ومن بينها المملكة العربية السعودية التي تخوض اليوم مشروعا طموحا للتحول الرقمي، وتستثمر في بناء اقتصاد معرفي متقدم. وفي خضم هذا المشهد، يبرز صوت عالم كبير مثل جيفري هينتون، الأب الروحي للذكاء الاصطناعي، ليطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.

استقالة هينتون من عمله في شركة غوغل لم تكن حدثا عاديا، الرجل الذي أمضى نصف قرن في تطوير الشبكات العصبية، والذي أسهم في بناء الأساس العلمي للنماذج الذكية الحديثة، خرج ليعلن مخاوفه من التكنولوجيا التي ساهم في صنعها.

قالها بوضوح «أعزي نفسي بالعذر المعروف: لو لم أفعل ذلك، لفعله شخص آخر». جملة تختصر صراعا داخليا بين شغف العلم وقلق المستقبل.

تستحضر هذه اللحظة التاريخية قصة ألفريد نوبل، الذي عاش صدمة قراءة نعيه بالخطأ، ورأى نفسه موصوفا بـ«تاجر الموت». لم يكن الرجل يتوقع أن يتحول اختراعه - الديناميت - إلى أداة حرب. فاختار أن يغير إرثه، وأن يجعل من ثروته جسرا للسلام عبر جوائز نوبل.

اليوم، يبدو أن هينتون يعيش لحظة مشابهة ليس لأنه اخترع سلاحا، بل لأنه ساهم في تطوير منظومة قد تصبح - إذا تركت بلا ضوابط - قوة تتجاوز قدرة البشر على التحكم.

ما يميز موقف هينتون أنه يأتي من داخل الدائرة العلمية نفسها. فهو ليس ناقدا من الخارج، بل أحد أبرز من وضعوا اللبنات الأولى للذكاء الاصطناعي الحديث. حين يقول إن احتمال أن يشكل الذكاء الاصطناعي تهديدا وجوديا للبشرية «ليس مستبعدا»، فإن هذا التصريح لا يمكن التعامل معه كوجهة نظر عابرة.

إنه صوت عالم يدرك حجم القوة التي باتت تمتلكها النماذج الذكية، وقدرتها على التعلم الذاتي، واتخاذ القرارات، والتأثير في الرأي العام، بل وربما تجاوز حدود الاستخدام البشري التقليدي.

الطموح لا يتعارض مع الحذر. والابتكار لا يلغي ضرورة التنظيم. بل إن التجارب العالمية تؤكد أن الدول التي تقود المستقبل هي تلك التي تجمع بين الجرأة في التقدم والوعي بالمخاطر.

تحذيرات هينتون ليست دعوة للتراجع، بل دعوة للتأمل. دعوة إلى بناء منظومة تشريعية وأخلاقية تضمن أن تظل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى قوة منفلتة.

ما يجمع بين نوبل وهينتون ليس الندم وحده، بل إدراكهما أن العلم قد يحمل وجها آخر إذا لم يُحط بسياج من القيم.

نوبل رأى اختراعه يتحول إلى أداة حرب.

هينتون يرى الذكاء الاصطناعي يتحول إلى منظومة قد تتجاوز البشر.

كلاهما لم يكن يسعى إلى الضرر، كلاهما أراد أن يفتح بابا جديدا للمعرفة، لكن كلاهما اكتشف أن الطريق إلى المستقبل يحتاج إلى بوصلة أخلاقية لا تقل أهمية عن التقدم العلمي نفسه.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يمكن ضبط مسار الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح خارج السيطرة؟

الشركات الكبرى تتسابق. القدرات التقنية تتضاعف. والحدود بين الممكن والمستحيل تتلاشى.

قصة هينتون ليست مجرد خبر عابر، إنها تذكير بأن العلم، مهما بلغ من تقدم، يحتاج إلى ضمير. وأن المستقبل، مهما بدا واعدا، يحتاج إلى وعي، وأن الدول التي تسعى إلى الريادة - مثل المملكة - مطالبة بأن تجمع بين الطموح والتنظيم، وبين الابتكار والمسؤولية.

ختاما، ربما لا نستطيع إيقاف عجلة الذكاء الاصطناعي، لكننا نستطيع توجيهها، وربما لا نستطيع منع المخاطر بالكامل، لكننا نستطيع تقليلها وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا:

هل نتعلم من ندم نوبل وتحذيرات هينتون، أم ننتظر لحظة ندم جديدة لا نملك بعدها فرصة التصحيح؟