الطوارئ واختبار الحوكمة
الاثنين - 09 فبراير 2026
Mon - 09 Feb 2026
في مقال سابق بعنوان «إدارة كارثة فوكوشيما»، تم نشره قبل سنتين، تناولت فيه بعض الدروس المستفادة من هذه الحادثة التي ترسخت من خلال المسلسل الياباني الرائع The Days 2023، والذي يحكي تبعات زلزال اليابان الكبير في 11 مارس 2011 على محطة الكهرباء النووية فوكوشيما. هذا الزلزال أثر بشكل مباشر على منظومة تبريد المفاعلات، مما أدى إلى ارتفاع الضغط، وتبعت ذلك عدة مضاعفات للمشكلة منها عمليات التهوية والتنفيس التي نتج عنها زيادة في النشاط الإشعاعي، المسلسل كان بمثابة نافذة مقارنة معيارية جاهزة للاستفادة منها كقصة مصورة واضحة المعالم عن الجوانب التشغيلية والتكتيكية والاستراتيجية في إدارة الأزمات.
في أحد المشاهد المثيرة استراتيجيا وتشغيليا كان المسؤولون تحت ضغط الخيارات والقرارات الصعبة عندما توالت الأحداث حول المفاعل النووي، بداية من انقطاع التيار الكهربائي على أنظمة التبريد وتوقف أجهزة الطوارئ وارتفاع حرارة الوقود النووي. النتيجة المنطقية تدريجيا كانت ستقود إلى كارثة نووية من الطراز الأول، وكانت الخيارات محصورة في مسارين: محاولة إصلاح أنظمة التبريد بشكل متدرج رغم الصعوبات، أو اتخاذ قرار استثنائي بضخ مياه البحر مباشرة على المفاعلات، وهو أمر لم يكن محسوبا مسبقا ضمن الإجراءات التشغيلية الاعتيادية أو حتى في وقت الطوارئ، ولكنه حسب الجوانب الفنية في حينها قد يكون سبيلا للحد من الكارثة.
تم اتخاذ القرار الأخير بضخ مياه البحر على المفاعلات، مما ساهم في منع الانصهار الكامل للمفاعلات مع وجود أثر من حيث التلوث البيئي الكبير الناتج عن ضخ المياه. هذا القرار كان بمثابة اختيار لخطر أقل لدفع خطر أكبر. وبعد انتهاء الحادثة ولملمة نتائجها، لم ينته الجدل حولها وكان عابرا في المجال النووي ولم يكن محصورا بأروقة اليابان، إذ تناوله الإعلام العالمي وتحديث البروتوكولات الدولية، ومنها الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA التي أصدرت توصيات جديدة حول إدارة الأزمات النووية. الجدل دار حول المسؤوليات القانونية والأخلاقية والحوكمة في إطار الطوارئ التي تحدث في الأوقات الصعبة، حيث يكون الزمن ضاغطا وتدفق المعلومات كبيرا بالإضافة إلى الصلاحيات المرتبكة.
الجدل القانوني تمحور حول صلاحيات المسؤولين في اتخاذ قرارات لم تنص عليها البروتوكولات، حيث أثار القرار تساؤلات حول مدى قانونية التصرف في ظروف الطوارئ القصوى. أما الجدل الأخلاقي، يركز على التوازن بين المخاطر المباشرة المتمثلة في حماية حياة البشر، والمخاطر غير المباشرة المتمثلة في التلوث البيئي الناتج عن ضخ المياه. هذا النقاش أصبح لاحقا نموذجا عالميا لدراسة الأخلاقيات في اتخاذ القرارات الاستثنائية في الأزمات الكبرى. من جهة أخرى، أظهرت الأزمة قصور البروتوكولات التقليدية في مواجهة أحداث غير متوقعة، وبرزت الحاجة إلى إطار طوارئ واضح يسمح للقيادة باتخاذ قرارات عاجلة مع توثيق كامل للقرارات وآليات مراجعة لاحقة لتقييمها بشكل عادل.
الإطار القانوني للطوارئ هو مجموعة قوانين وسياسات مسبقة تحدد من له الحق في اتخاذ القرارات الاستثنائية، ونطاق هذه الصلاحيات، وكيفية توثيقها وإبلاغ الجهات المختصة، ومدة صلاحيتها، وآليات مراجعتها بعد الأزمة. وجود هذا الإطار يحمي المسؤولين من المساءلة غير العادلة، ويتيح اتخاذ القرارات بسرعة وفعالية، ويعزز الثقة العامة، ويوفر أساسا للتعلم المستقبلي.
تجربة فوكوشيما تعلمنا أن الأزمات تضغط على الوقت والمعلومات والصلاحيات، وتجعل الالتزام الصارم بالإجراءات المعتادة غير كاف، وقد يؤدي إلى كارثة. ومع ذلك، فإن القرارات الاستثنائية لا يجب أن تكون عشوائية، بل ضمن إطار مؤسسي وقانوني مدروس، مع توثيق ومراجعة لاحقة، بحيث تكون فعالة وقانونية وأخلاقية في الوقت نفسه. وتطرح التجربة سؤالا مهما لأي منظمة: هل تكمن المشكلة في اتخاذ القرارات الاستثنائية أثناء الأزمة، أم في أن معظم المنظمات لا تصمم إطار طوارئ يجعل مثل هذه القرارات ممكنة ومحمية مسبقا؟