عقد المقاولة بين النص والواقع: لماذا تتكرر النزاعات؟
الأحد - 08 فبراير 2026
Sun - 08 Feb 2026
يعد عقد المقاولة من أكثر العقود حضورا في الواقع العملي، لما يرتبط به من مصالح مالية ومشاريع إنشائية تمس المقاول وصاحب العقار على حد سواء. ورغم وضوح الإطار النظامي المنظم لهذا العقد، إلا أن نزاعات المقاولات لا تزال من أكثر القضايا تداولا أمام الجهات القضائية، وهو ما يثير تساؤلا مشروعا: هل الخلل في النص النظامي، أم في طريقة تطبيقه؟
من حيث الأصل، يقوم عقد المقاولة على توازن واضح في الالتزامات؛ فالمقاول يلتزم بتنفيذ العمل المتفق عليه وفق المواصفات والمدة، بينما يلتزم صاحب العقار بدفع الأجرة المتفق عليها وتمكين المقاول من العمل. هذا التوازن هو جوهر العقد، وهو ما قصده المنظم حين قرر حقوق الطرفين والتزاماتهما بصورة متقابلة تحفظ العدالة التعاقدية.
غير أن الواقع العملي يكشف أن كثيرا من هذه العقود تفرغ من مضمونها منذ لحظة التوقيع. إذ تستخدم نماذج مختصرة أو عامة لا تعكس طبيعة المشروع ولا حجمه، وتترك بنود جوهرية كالمواصفات التفصيلية، وآلية التعديل، والمدة، والجزاءات، بصياغات فضفاضة أو غامضة. ويزداد الأمر تعقيدا عندما يعتمد الطرفان على التفاهمات الشفهية أثناء التنفيذ، فيتحول العقد المكتوب إلى مجرد إطار شكلي لا يحكم النزاع عند وقوعه.
وتتكرر النزاعات في عقود المقاولات لأسباب معروفة، يأتي في مقدمتها تأخر التنفيذ، حيث يختلف الطرفان حول سبب التأخير ومن يتحمل تبعاته. كما يبرز الخلاف حول جودة الأعمال، وهل ما يظهر من خلل يعد عيبا يوجب الإصلاح أو مجرد اختلاف في التقدير. ومن أكثر أسباب النزاع شيوعا أيضا تعديل نطاق العمل أثناء التنفيذ دون اتفاق مكتوب، ثم مطالبة المقاول بمبالغ إضافية يقابلها إنكار من صاحب العقار. ولا يقل عن ذلك خطورة النزاع حول المستخلصات المالية وتأخر صرفها أو حجز الدفعة الأخيرة.
ويتعاظم النزاع غالبا بسبب خلل في إدارة العقد أثناء التنفيذ. فضعف التوثيق المرحلي، وغياب المخاطبات الرسمية، وتأخر الاعتراض على الأعمال المنفذة، كلها عوامل تجعل النزاع ينتقل من خلاف فني يمكن معالجته إلى خصومة قضائية معقدة. كما أن الخلط بين الإخلال البسيط والإخلال الجوهري يدفع بعض الأطراف إلى قرارات متسرعة، كإيقاف العمل أو فسخ العقد دون مراعاة الإجراءات النظامية.
ولا يقتصر أثر النزاع على الخسارة المالية فحسب، بل يمتد إلى تعطل المشروع، وتجميد رأس المال، وتآكل الثقة بين الأطراف. وفي كثير من الأحيان، يتحول النزاع من خلاف حول تنفيذ عمل إلى مطالبات بالتعويض والفسخ، بما يطيل أمد الخصومة ويرفع كلفتها على الجميع.
الحل النظامي والوقائي يبدأ من كتابة عقد مقاولة واضح ومفصل، يحدد بدقة نطاق الأعمال، والمدة، والمواصفات، وآلية التعديل، وطريقة معالجة الخلاف. كما يتطلب الأمر توثيق التنفيذ والمخاطبات أولا بأول، وعدم القبول الضمني بالأعمال المعيبة أو المخالفة. وقبل اللجوء إلى الفسخ أو إيقاف العمل، يعد الإنذار النظامي خطوة أساسية تحفظ الحق وتمنح الطرف الآخر فرصة المعالجة. وفي كثير من الحالات، يكون الصلح المبكر خيارا أكثر حكمة وأقل كلفة من التقاضي.
وخلاصة القول، إن نزاعات المقاولات لا تنشأ من قصور النص النظامي، بقدر ما تنشأ من سوء صياغة العقد وضعف إدارته. فكلما كان العقد واضحا، والتوثيق حاضرا، والإجراءات منضبطة، قلت مساحة الخلاف، وحفظت الحقوق قبل أن تستنزف في أروقة النزاع.