وليد سعد الشهري

تشغيل المدينة – كيف تتحول الخرائط إلى حركة سلسة؟

الأحد - 08 فبراير 2026

Sun - 08 Feb 2026



رسم خريطة أمر سهل، لكن تحويلها إلى حركة... هو التحدي الحقيقي. فالمدن الذكية لا تقاس بحجم البيانات أو عدد الخرائط، بل بقدرتها على تحويل هذه المعرفة إلى تشغيل فعلي يشعر به السكان في حياتهم اليومية: حركة أكثر سلاسة، زمن وصول أقصر، قرارات أسرع، وجودة حياة أعلى. فالخريطة مهما كانت دقيقة تبقى مجرد «تصوير للمكان»، ما لم تربط بنظام تشغيلي قادر على تحويلها إلى إجراءات وتحركات وقرارات.

وهنا يبدأ جوهر التحول الحضري: كيف تنتقل المدينة من المعرفة إلى التشغيل؟

التشغيل الحضري ليس إدارة إشارات المرور أو مراقبة الطرق فحسب، بل هو عقل تشغيلي متكامل يربط المكان بالبيانات والتقنية والإنسان في شبكة واحدة. عندما تتوافر للمدينة خرائط دقيقة لحركتها وتدفقاتها وسلوك مستخدميها، فهي تمتلك «لغة». أما التشغيل، فهو قدرتها على تحويل هذه اللغة إلى فعل. إنه أشبه بترجمة النص إلى عرض مسرحي، أو تحويل الخطة إلى نتائج ملموسة. ولا يمكن لهذه المنظومة أن تعمل دون بنية مكانية موحدة ودقيقة - وهي الركيزة التي تقوم عليها في المملكة الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA - باعتبارها الحارس الوطني للبيانات المكانية.

وفي خوارزمية WSMA يظهر هذا المعنى في مرحلة «الترجمة التنفيذية»، حيث تتحول الرؤية والأفكار إلى أدوار واضحة (RACI) ومؤشرات أداء (KPIs) ولوحات قيادة تشغيلية ترتبط مباشرة بالقرار اليومي. فعلى الرغم من أن التفكير ضروري، إلا أن قيمته تتلاشى إذا لم يتحول إلى نظام يعمل بانسجام واستمرارية.

ولفهم تشغيل المدينة بعمق، يكفي تخيل مدينة تمتلك أفضل الخرائط ولكنها لا تتحرك حين تظهر أزمة مفاجئة؛ لا تغير المسارات، ولا تتنبأ بالنقاط الحرجة، ولا تستجيب للحوادث. المعرفة وحدها لا تكفي. المدينة التي تعمل فعليا هي المدينة التي يتحرك قرارها كما تتحرك مركباتها سريعا، وبدقة، وبلا ارتباك.

التشغيل يبدأ من لحظة دخول البيانات إلى النظام. كل رحلة بشرية، كل حركة مركبة، كل إشارة ضوئية، كل نشاط اقتصادي... كلها تتحول إلى نبضات تغذي «عقل المدينة التشغيلي». هذا العقل يعتمد على بيانات مكانية موحدة توفرها GEOSA، وتسمح للمدينة بأن ترى نفسها مقارنة بماضيها، وبنماذج التنبؤ التي ترسم مستقبلها. فإذا ظهر خلل، يتحرك النظام فورا: يعيد توجيه التدفقات، يفعل المسارات البديلة، يرفع مستوى التدخل البشري، أو يعدل نمط الإشارات. في هذا المستوى من التشغيل، المدينة تصبح كائنا حيا.

وفي المدن الأكثر نضجا، لا يعمل النظام وحده. بل يعمل الإنسان جنبا إلى جنب مع التقنية ضمن هيكل منظم تحدده مصفوفة RACI: من المسؤول؟ من يقرر؟ من ينفذ؟ من يتابع؟ هذه المنهجية تحول التشغيل من فوضى فردية إلى منظومة تشبه غرف العمليات في المستشفيات أو مراكز التحكم في المطارات - حيث لا مجال للارتباك أو تضارب الأدوار.

ثم تأتي مؤشرات الأداء KPIs كنبض يومي يقيس صحة المدينة. هذه المؤشرات ليست أرقاما جامدة، بل تشبه العلامات الحيوية للإنسان:

- زمن الرحلة

- الانسيابية

- نسبة التشبع على الطرق الحيوية

- زمن الاستجابة للطوارئ

أي تغير مفاجئ في أحدها يعني أن جسد المدينة يعاني من ضغط أو خلل يحتاج تدخلا فوريا.

ومع صعود التقنيات الحديثة، أصبح التشغيل الحضري أكثر ذكاء. فالتوأم الرقمي - المبني على الخرائط الوطنية الموحدة التي توفرها GEOSA - لم يعد مجرد صورة للواقع، بل أداة تشاركية في اتخاذ القرار. قبل بناء جسر أو تحويل مسار أو افتتاح منشأة، يحاكي التوأم الرقمي التأثيرات المحتملة ويعرض أفضل سيناريو قبل تنفيذ أي خطوة. هكذا يلتقي التحليل المكاني بالتشغيل اللحظي في منظومة واحدة.

ويمكن القول إن تشغيل المدينة هو النقطة التي تتجمع فيها كل مراحل الرحلة: الخرائط، السلوك، البيانات، التنبؤ، المقارنات الدولية... كلها تتقاطع في لحظة اتخاذ القرار التشغيلي.

وعندما تنجح المدينة في تحويل المعرفة إلى حركة، فهي تنتقل من مرحلة فهم الحركة إلى مرحلة صناعة الحركة، عندها فقط تصبح مدينة تفكر كما تعمل... وتعمل كما تفكر.

وفي المقال القادم، سنذهب إلى قلب العملية الحضرية ذاتها: هندسة القرار - كيف تصنع القرارات داخل المدينة لحظة بلحظة؟