فهد عبدالله العنزي

(التغيير المؤسسي) الدروس المفقودة وفرص النجاح الممكنة!

الأحد - 08 فبراير 2026

Sun - 08 Feb 2026



مع كل إعلان عن إعادة هيكلة أو تحول إداري، ينبعث في نفوس الموظفين شعور بالأمل؛ لعل هذه المرة تكون مختلفة، ولعلها تحمل معها حلولا لمشكلات مزمنة طال أمدها. لكن الواقع كثيرا ما يثبت أن التغيير - رغم نبل أهدافه - يتعثر قبل أن يصل إلى غايته، فيعود الموظفون إلى روتينهم المعتاد وكأن شيئا لم يكن.

لماذا يحدث ذلك؟ وما الذي يجعل التغيير الإداري في بيئاتنا المؤسسية يواجه صعوبة في التحقق العملي؟

السبب الأول - وربما الأهم - هو ضعف التواصل الداخلي. التغيير يتعثر حين يعلن بلا تفسير كاف، وحين يمرر عبر تعميمات مفاجئة تجعل الموظف يشعر أن الأمر مفروض عليه بلا شراكة حقيقية. ومع غياب الإجابات الصادقة عن أسئلة «لماذا نتغير؟» و«إلى أين سنصل؟» تتولد مقاومة خفية تتغذى على الغموض والقلق.

كما أن كثيرا من المبادرات الإدارية تأتي كردة فعل أو محاولة لمجاراة توجهات عليا، دون دراسة كافية لثقافة المؤسسة أو طبيعة أرضيتها البشرية، فتتحول القرارات من أدوات تطوير إلى عبء إداري يضاف فوق الأعباء القديمة. ويزداد الأمر تعقيدا حين تصطدم الرؤية الجديدة بمقاومة بعض القيادات الوسطى التي ترى في التغيير تهديدا لمواقعها أو نفوذها، فلا تعارض صراحة، لكنها تبطئ التنفيذ أو تفرغ المبادرات من مضمونها عبر التأجيل والانتقائية.

ويكمن أحد أهم أسباب التعثر في الأثر النفسي المباشر على الموظفين؛ فالتغييرات المبهمة تثير القلق، وتزيد مخاوف فقدان المكانة أو المهام، فيضعف التركيز وتتراجع جودة الأداء. فالتغيير لا يمر عبر الأنظمة والسياسات وحدها، بل يمر عبر النفوس والمشاعر والتجارب الفردية. والأسوأ حين يقتصر التغيير على المظاهر الخارجية: إعادة مسميات أو توزيع مهام دون معالجة لجذور المشكلات، فتبدو المؤسسة وكأنها تغيرت من الخارج لكنها بقيت كما هي من الداخل.

وتكشف التجارب العملية عن هذه الفجوات بوضوح. ففي تجربة التحول الإداري في بعض المؤسسات، شعر الموظفون بغياب الوضوح وافتقار الإجابات للمصداقية عند طرح أسئلتهم حول مستقبلهم الوظيفي. هذا الغموض أوجد حالة من عدم الثقة مع الجهة المعنية بإدارة التغيير وإجراءاته. وزاد من حدة الموقف الاستعانة بخبير أجنبي لإدارة التحول، رغم أن الوطن يزخر بكفاءات خبيرة تدرك ديناميكيات العمل في المؤسسات. فالتحول الحقيقي لا ينجح بمجرد استيراد تجربة خارجية، بل يحتاج إلى قراءة عميقة لخصوصية البيئة المحلية واستثمار خبرات أبناء الوطن القادرين على فهم واقعها وصناعة أثر فعلي فيها.

غير أن ما يعيد شيئا من الثقة هو ظهور نماذج قيادية تفهم أن التغيير لا يفرض، بل يبنى. وقد حضرت اجتماعا لأحد القيادات العليا مع الموظفين كان مثالا حيا على ذلك. ففي لقاء مفتوح، جلس القائد بينهم دون حواجز، صافحهم واحدا واحدا، وفتح لهم باب الحديث بلا خوف، وتحدث بصدق عن مستقبل العمل، وشاركهم رؤيته للتطوير، كانت إحدى عباراته العميقة «لنقد 2026 بحب، لا بخوف أو إكراه».

لم يكن اللقاء مجرد اجتماع روتيني، بل كان رسالة واضحة: أن التغيير يبدأ بالاحترام، وبإشعار الموظف بأنه جزء أصيل من الحكاية، لا مجرد متلق للتعليمات. عندما يرى الموظفون قائدا ينصت، ويتحدث بوضوح، ولا يخشى مواجهة الأسئلة الصعبة، يبدأ الجدار السميك للمقاومة بالتصدع، ويبدأ الأمل يستعيد مكانه الطبيعي.

ومع ذلك، يمكن للتغيير أن ينجح حين يدار بعقلانية وإنسانية معا. إشراك الموظفين في مسار التغيير منذ التخطيط وحتى التنفيذ يحولهم من متلقين إلى شركاء فاعلين، ويخفف من مقاومتهم الطبيعية لأي تحول. والتواصل الواضح والمستمر يخلق بيئة من الثقة والطمأنينة، خاصة حين تكون الإجابات صادقة وشفافة. أما القيادات الوسطى، فهي همزة الوصل بين الرؤية العليا والتطبيق العملي، وتمكينها بالمهارات القيادية والتحفيزية يجعلها رافعة حقيقية لأي تحول. ولا يقل أهمية عن ذلك كله البعد النفسي والإنساني؛ فخلق بيئة يشعر فيها الموظف بالأمان النفسي، مع وجود جلسات استماع ودعم، يحول القلق إلى طاقة إيجابية ومشاركة بناءة بدلا من الإحباط الصامت.

وإذا كان التغيير قد تعثر في مرات سابقة، فهذا لا يعني نهاية الطريق، بل بداية لتصحيح المسار. بناء الثقة يبدأ بالاعتراف بالثغرات، واحترام عقل الموظف لا مراوغته، والإنصات لمخاوفه لا التظاهر بالطمأنينة. فبعض الأحيان لا يكون النجاح في مواصلة التغيير، بل في إعادة التفكير فيه، وامتلاك الشجاعة لتعديله أو التراجع عنه حين لا يكون مناسبا للواقع. فالتغيير لا ينجح بفرض الهياكل والأنظمة فقط، بل ببناء العلاقة الإيجابية التفاعلية مع الموظف. وأي تغيير لا يكون فيه الموظف أساسا، يفرغه من مضمونه، ولا يدوم إذا لم يجد قلبا يؤمن به قبل أن يفرض عقلا ينفذه.

التغيير الإداري ليس مجرد قرارات أو هياكل جديدة، بل هو رحلة إنسانية عميقة تحتاج إلى وضوح وشراكة وثقة. والتغيير الذي يراعي الإنسان هو التغيير الذي ينجح ويستمر. وهنا يبرز النموذج الملهم لسمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - الذي قدم أرقى صورة لقيادة التغيير الشامل برؤية واضحة وإرادة صلبة. لم يكن التحول في المملكة مجرد شعارات أو مسميات جديدة، بل مس الفكر والثقافة والتنمية ولامس وجدان المواطن. لقد أدار سموه التغيير بلغة المستقبل دون أن يغفل عن الإنسان، فكان قائدا ملهما يعزز الثقة ويصنع الأمل. فمن أراد النجاح في التغيير المؤسسي، فليتعلم من الكبار كيف تكون الرؤية، وكيف يكون الإلهام.