عندما تتحول الأماكن العامة إلى مجالس خاصة
السبت - 07 فبراير 2026
Sat - 07 Feb 2026
في المطارات، يحتاج المسافرون إلى الراحة والهدوء، فهم منشغلون دوما في تتبع رحلاتهم واستلام حقائبهم والتخليص الجمركي ومتابعة وقت الإقلاع. البعض منهم لديه رحلة استجمام أو رحلات علاجية، والآخر منشغل بإدارة أعماله، والبعض مرهق بسبب الرحلات المتواصلة. وفي خضم ذلك، يمارس البعض سلوكيات تتنافى مع آداب الأماكن العامة ويحاول فرضها على الجميع دون وجه حق. تشاهده أحيانا يتحدث ويضحك بصوت عال، وكأنه يجلس في غرفه خاصة مع أصدقائه دون أدنى اهتمام بمن يجاوره في المكان نفسه. والبعض الآخر يتخذ من هذه الأماكن ساحة للدردشة والتعارف، فتجده يتحدث مع من بجانبه في مقعد الطائرة أو مقعد الانتظار دون أخذ الإذن منه. يصر على فتح الحديث والحوار المطول وكأنه حق من حقوقه، غير آبه بالآخرين، ليصبح الجلوس بجانبه محل إزعاج وعبئا نفسيا وذهنيا. إنه لا يلتفت إلى طبيعة المكان المشترك والسلوك في فضاء عام تم تخطيطه وتصميمه لأداء خدمة النقل، ويختلف تماما عن المجلس الخاص وساحات الحوار.
أما في المترو، تجده يقف ليقدم خطبا ومواعظ وقصصا من الحياة، ومسابقات وجوائز دون مراعاة لطبيعة المكان وظروف الركاب. لا يعي أن هذا المكان مخصص للنقل فقط وليس منبرا مفتوحا للجميع، والركاب لم يختاروا المكان بمحض إرادتهم ليكونوا جمهورا له أو مستمعين لنصائحه قسرا. إن التخطيط للنقل يؤكد أن وسائل النقل العام هي حق للعامة تستخدم فقط للغرض المخصص لها دون مضايقة من الآخرين أو فرض قيم التفاعل القسري.
أما في الحدائق العامة صورة أخرى له وهو يمارس سلوكيات وكأنه في مجلسه الخاص، فتجده يدخن ليزعج الآخرين، ويرمي أعقاب السجائر وبقايا الأكل في الأرض دون اكتراث، وفي أحيان أخرى لديه شغف لإحضار حيواناته الأليفة وكلابه إلى الحدائق العامة ليستعرض بها أمام النساء والمراهقات أو يتصنع اللطف والظرافة دون اكتراث بمخاوف الأطفال ومن لديه حساسية من تلك الحيوانات.
لقد أشرت سابقا إلى أن تنمية المكان تؤكد على مبدأ الاستدامة كتوجه استراتيجي يحقق التوازن بين الاحتياجات الاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، وصولا للارتقاء بجودة الحياة.
إن جودة الحياة في المدن تعني تمكين الإنسان من العيش بكفاءة وصولا إلى التمتع بالحياة، بما في ذلك تعزيز القدرة على التفاعل والتأثير والشعور بالرضا والانتماء. وهو ما يعني أن منظومة التخطيط العمراني ترتقي بالمجتمع وتعزز السلوك الإنساني داخل الفضاء الحضري.
إن المكان العام هو حق تشاركي للجميع يقتضي المشاركة بتعقل واحترام الآخرين، وضبط الذات والوعي الاجتماعي. وعليه وجب الحفاظ على التوازن بين السلوك الإنساني وطبيعة الفراغ العمراني بشكل يحافظ على مستويات ملائمة من العيش بتشاركية دون إضرار بالآخرين، ليتحول الفضاء العام إلى فضاء كفؤ ومنتج وليس مجلسا خاصا.
وعليه فإن تطوير الأماكن العامة لا يقتصر على تحسين البنية المادية وتوفير الخدمات ووضع اللوحات الإرشادية والمقاعد والمسارات فحسب؛ بل يصاحبه دمج التخطيط والتصميم العمراني مع التشريعات الملزمة، بما في ذلك فرض القوانين الرادعة والفورية لكل من ينتهك خصوصيات الآخرين أو يقتحم خلوتهم من أنفسهم أو عائلاتهم أو لا يحترم آداب الأماكن العامة.
ختاما، علينا أن ندرك أن المدينة ليست مجلسا خاصا، والحفاظ على آداب الأماكن العامة يقتضي أن يعرف مستخدموها متى يتحدثون، ومتى يتركون للآخرين فرصة لممارسة حقهم في السكينة دون فضول.