نبيل عبدالحفيظ الحكمي

بين الابتكار والدواء الجنيس

الخميس - 05 فبراير 2026

Thu - 05 Feb 2026


عزيزي القارئ، بين حماية الابتكار وتشجيع الدواء الجنيس (الأدوية غير الأصيلة، بديلة للأدوية الأصلية المبتكرة)، تقف الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودي أمام معادلة هامة: كيف تحافظ على حقوق الشركات التي طورت أدوية جديدة بتكاليف عالية وجهد كبير، وفي الوقت نفسه تفتح الباب لدخول أدوية جنيسة أقل تكلفة تخفف العبء عن النظام الصحي والمريض؟ اللائحة التنظيمية الخاصة بمنهجية التعامل مع براءات الاختراع عند تسجيل الأدوية الجنيسة، والتي أعدت بالتعاون مع الهيئة السعودية للملكية الفكرية، جاءت لتقدم عزيزي القارئ إطارا واضحا لهذه المعادلة، قائما على الشفافية، وتحديد المسؤوليات، وتمهيد الطريق لدخول الأدوية الجنيسة وفق قواعد صريحة.

تهدف هذه المنهجية إلى ثلاثة أهداف رئيسية تهم أي مريض ومهتم بالقطاع الصحي: أولا، زيادة شفافية إجراءات الهيئة بحيث يكون طريق تسجيل الأدوية، المبتكرة والجنيسة، واضحا ومفهوما لجميع الأطراف. ثانيا، بناء الثقة في طريقة تعامل الهيئة مع براءات الاختراع، حتى لا تتهم بأنها تنحاز لطرف على حساب آخر. وثالثا، تسهيل تسجيل الأدوية الجنيسة لدعم توفر الدواء بأسعار أقل، مع عدم المساس بحقوق أصحاب البراءات خلال مدة حمايتهم القانونية.

تنطلق المنهجية من مرحلتين واضحتين؛ مرحلة تخص شركات الأدوية المبتكرة، وأخرى موجهة إلى الشركات التي ترغب في تسجيل أدوية جنيسة. في المرحلة الأولى، تلزم الشركات المبتكرة، التي تسجل دواء جديدا، بتقديم نسخة من وثيقة براءة الاختراع الصادرة من الهيئة السعودية للملكية الفكرية ضمن ملف التسجيل، أو استكمالها لاحقا فور صدورها، مع تحمل مسؤولية أي تأخير.

وإذا كان الدواء المبتكر مسجلا بالفعل ومحميا ببراءة سعودية أو خليجية، فعلى الشركة المبتكرة إرفاق هذه البراءة ضمن مستنداتها. لكن المهم هنا أن الهيئة توضح بشكل صريح أن استلامها لمستند البراءة لا يعني أنها مسؤولة عن حمايته أو الفصل في النزاعات حوله؛ فإذا رأت الشركة المبتكرة أن دواء جنيسا يعتدي على براءتها، فطريقها القانوني الطبيعي هو المحكمة التجارية، لا هيئة الغذاء والدواء، بينما تلتزم الهيئة بتنفيذ أي حكم قضائي نهائي يصدر لصالح صاحب البراءة.

في المرحلة الثانية، يأتي دور الشركات الجنيسة، وهي الشركات التي ترغب في تسجيل نسخة مكافئة لدواء مبتكر انتهت حمايته أو شارفت على الانتهاء. هنا تطبق الهيئة آلية واضحة: عندما تتقدم شركة بطلب تسجيل دواء جنيس، وتكتشف الهيئة أن للدواء الأصلي براءة اختراع سارية داخل المملكة، تطلب من الشركة الجنيسة تقديم «خطاب حرية تشغيل» (FTO) من مكتب أو وكيل ملكية فكرية مرخص من الهيئة السعودية للملكية الفكرية. هذا الخطاب هو شهادة مهنية يؤكد فيها المختص أن المنتج الجنيس باسمه، وتركيزه وشكله الصيدلاني لا ينتهكان أي براءة اختراع مسجلة لدواء مبتكر داخل السعودية.

ويشترط إرفاق هذا الخطاب بنسخة من ترخيص وكيل الملكية الفكرية، وتسليمه خلال مهلة محددة، إلى جانب إقرار رسمي من الشركة الجنيسة بأنها لا تعتدي على أي حق ملكية فكرية محمي داخل المملكة.

بناء على هذا الخطاب والإقرار، تتابع الهيئة إجراءات التسجيل، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها لا «تبارك» أو تصادق على محتوى خطاب FTO من الناحية القانونية؛ فهي تعتمد عليه إجرائيا فقط، بينما تبقى المسؤولية القانونية كاملة على عاتق الشركة الجنيسة ووكيل الملكية الفكرية إذا نشأ نزاع لاحقا. فإذا ادعت شركة مبتكرة أن هذا الدواء الجنيس يعتدي على براءتها، يعود الأمر للمحكمة التجارية للبت في ذلك، وليس للهيئة.

وتمنح المنهجية الشركات الجنيسة خيارا ذكيا يساعد على تسريع دخول الدواء إلى السوق بعد انتهاء البراءة؛ إذ تسمح لها بالتقدم بطلب تسجيل الدواء الجنيس قبل انتهاء البراءة بـ24 شهرا، من دون الحاجة إلى خطاب حرية تشغيل، بشرط ألا يتم تفعيل تسجيل المنتج أو السماح بتسويقه فعليا إلا بعد سقوط براءة الاختراع. بهذه الخطوة، تتيح الهيئة التحضير المبكر، بحيث يكون الدواء الجنيس جاهزا للدخول إلى السوق فور انتهاء الحماية، ما يقلل الفجوة الزمنية بين انتهاء البراءة ووصول البدائل الأرخص للمريض، مع احترام كامل لمدة الحماية لصاحب الابتكار.

في جوهرها، ترسم هذه المنهجية حدود دور كل جهة بوضوح:
- الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودي: مسؤولة عن جودة الدواء وسلامته وتوفره، وليست جهة للفصل في نزاعات براءات الاختراع.
- الهيئة السعودية للملكية الفكرية: المرجع المختص بتسجيل ومنح البراءات وترخيص مكاتب ووكلاء الملكية الفكرية.
- المحكمة التجارية: الساحة القضائية التي تحسم فيها النزاعات حول الادعاء بالتعدي على براءة اختراع.

الشركات المبتكرة والجنيسة: مسؤولة عن صحة مستنداتها، واختياراتها الاستراتيجية، وإن كانت ستلجأ لحماية قوية للبراءات أو تنافس عبر التسعير والجودة أو غير ذلك.

ما تحاول هذه المنهجية تحقيقه هو توازن دقيق: من جهة، إرسال رسالة واضحة لشركات الأدوية العالمية بأن السوق السعودي يحترم الملكية الفكرية ولا يفتح الباب لانتهاك البراءات؛ ومن جهة أخرى، طمأنة النظام الصحي والمريض بأن باب الأدوية الجنيسة لن يغلق، وأن هناك إطارا يسمح بدخولها بطريقة منظمة بمجرد انتهاء الحماية. بهذه الطريقة، تسهم اللائحة في جعل المملكة بيئة جاذبة للاستثمار في الأدوية المبتكرة، وفي الوقت نفسه داعمة لتوفر الأدوية الجنيسة والمنافسة السعرية التي تصب في مصلحة المريض والنظام الصحي على المدى الطويل، ضمن معادلة ضرورية لكنها ضرورية بين الابتكار وتوفير الدواء الطبي.

nabilalhakamy@