وهم الكمال.. حين يظن الجاهل أنه الميزان
الخميس - 05 فبراير 2026
Thu - 05 Feb 2026
يقال إن أكثر الناس جهلا هو من يظن أنه وحده العالم، وأن ما عنده من رأي هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ذلك الصنف الذي يعيش في برج من الغرور، يرى من خلاله أن الكون يدور حول فكره، وأن الناس من دونه تائهون في الظلام. إنه لا يسمع إلا صوته، ولا يرى إلا صورته، ولا يعترف بغير مرآته. يظن أنه يملك مفاتيح الفهم والعقل والحكمة، بينما هو في الحقيقة أسير جهل متضخم، وغرور متورم.
هذا النوع من الناس لا يجادل ليصل إلى الحقيقة، بل ليثبت أنه لا يخطئ. يرفض الحوار لأنه يخشى أن تهتز صورته في أعين الآخرين، فيستبدل البحث بالاتهام، والفكر بالسخرية، والحجة بالصوت العالي. فإذا عجز عن مواجهة الفكرة بالفكرة، لجأ إلى التقليل من صاحبها، متوهما أن إضعاف الآخرين يقويه، وأن إطفاء أنوارهم يزيد من لمعانه. لكنه لا يدري أن النور لا يطفأ بالسخرية، وأن الأفكار لا تهزم بالصوت، بل بالحجة والمنطق والصدق.
في داخله خوف دفين من أن يكتشف فراغه، لذلك يهاجم كل من يختلف معه، لا حبا في الحقيقة، بل دفاعا عن صورته أمام نفسه. إنه لا يبحث عن المعرفة بقدر ما يبحث عن التفوق، لا يريد أن يتعلم بل أن يصفق له الناس. تجده أول من ينتقد، وآخر من يتأمل. يكتب ويعلق ويتحدث بثقة زائفة، وكأن العالم كان ينتظره ليهديه طريق الرشاد. هذه الشخصية لا تبني ولا تصلح، بل تتعب من حولها، لأنها لا ترى في الناس شركاء في الفهم، بل خصوما في ساحة الوهم.
قال الإمام الشافعي رحمه الله «ما ناظرت أحدا قط، إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدا، إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه».
أشد ما يؤذي المجتمع ليس الجهل نفسه، بل الجهل المغرور، لأنه يغلق باب التعلم، ويقتل روح النقاش الراقي، ويشيع في الناس ثقافة الإلغاء والتقليل. فالإنسان المتواضع حين يخطئ يتعلم، أما المتكبر فيرى الاعتراف بالخطأ هزيمة. وحين يتحول هذا النمط إلى عادة في بيئة فكرية أو إعلامية، تصبح الساحة مليئة بالمتحدثين الخالين من الفهم، والناقدين الذين لا يملكون بدائل، فيصاب الناس بالملل من كل رأي، وتهمش الأصوات الصادقة.
قيل للفضيل بن عياض رحمه الله: ما التواضع؟
قال: أن تخضع للحق.
العقلاء لا يقاسون بكثرة حديثهم، بل بعمق تفكيرهم، ولا بقوة ردهم، بل بقدرتهم على الإصغاء. ومن يتعلم فن التواضع الفكري يدرك أن الحقيقة لا تحتكر، وأن العلم لا يقف عند حدود شخص أو رأي أو مدرسة. قال ابن المبارك «لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل». فالتواضع لا يعني ضعفا، بل هو علامة ثقة حقيقية بالنفس، بينما الغرور لا يعني القوة، بل هو قناع يرتديه الضعفاء ليخفوا فراغهم.
يا ليت كل من ظن نفسه «ميزان الحق» تأمل قول الله تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا».
فلو أدرك الإنسان هذا القليل الذي يملكه، لعرف حجمه الحقيقي. الكمال لله وحده، والعصمة للأنبياء، وما نحن إلا بشر نتعلم ونخطئ وننضج. فليت ذلك «العارف الموهوم» يخلع عباءة الغرور، ويدخل مدرسة التواضع، ففيها تبنى القلوب وتفتح العقول، ويصبح النقد علما، لا استعراضا، والاختلاف رحمة، لا خصومة.