هل من السهل العيش معك؟
الخميس - 29 يناير 2026
Thu - 29 Jan 2026
كانت القاعة مضاءة، والضحكات خفيفة. وقف آلان دو بوتون، أحد أبرز من تحدثوا عن فكرة الواقعية الرومانسية، وسأل سؤالا بسيطا في شكله عميقا في أثره: هل تعتقد أن من السهل العيش معك؟ ارتفعت أيد قليلة، والبقية اكتفوا بابتسأمة متوترة، ابتسأمة من يشعر أن جهله بنفسه أكبر من ثقته بها.
لكن ما الذي يجعل الإنسان يظن نفسه سهلا أصلا؟ وهل نعرف أنفسنا كما نعيش في الداخل، أم كما يسمح لنا أن نبدو في الخارج؟ ربما لهذا السبب يجب أن لا نثق كثيرا في صورتنا عن أنفسنا؛ لكل واحد منا جانب لا يظهر إلا في العشرة، في السكن، في تكرار الأيام حيث لا ينقذنا الأداء.
قشرتنا المهذبة
عندما نكون في الخارج، ومع من لا نجالسهم باستمرار، نمارس فيما بيننا مجاملات اجتماعية تربي فينا قشرة مهذبة: لا أحد يخبرك بنبرتك حين تتوتر، ولا بطريقتك حين تجرح ثم تبرر، ولا عنادك، ولا مزحك الثقيل، ولا تلك التفاصيل التي تثقل على من يقترب. وننسحب قبل أن ينكشف ما نخاف انكشافه. لأن الناس يريدون قبولا.
أليس هذا الصمت نوعا من غريزة البقاء داخل الجماعة؟ خوف قديم من الرفض، من خسارة الود، من اهتزاز السمعة. فيفضل البشر مجاملة آمنة على صدق مكلف.
يبدأ السكن وتنكشف التفاصيل
ندخل إلى الزواج كأننا خفيفون، كأننا مفهومون، كأننا نسخة جاهزة للحياة المشتركة. ثم يأتي الشريك، لا لأنه قاس، بل لأنه الأقرب، فيقول لنا ما لم يقله المجتمع: هذا أنت حين يطول اليوم، وتضيق المساحة، وتختبرك التفاصيل، حين تنكشف بلا جمهور وبلا مجاملات.
ومن هذه المرآة تحديدا، مرآة العشرة، يبدو أن السؤال لا يعود عن قوة المشاعر فقط، بل عن قوة الفهم.
أتذكر هنا حديث دو بوتون عن الآمال التي تنفخ في الحب حتى تصير أضخم من الواقع؛ وكأن هناك صناعات كاملة مهمتها تضخيم توقعاتنا، ثم تتركنا وحدنا أمام يوميات لا تشبه الحلم. وفي سياق ذلك ذكر مقولة تنسب إلى ادورنو: أن أخطر رجل في أمريكا هو والت ديزني، لا لأن ديزني شرير بالمعنى المباشر، بل لأنه بهذا الخيال اللامع يصنع فينا أملا مفرطا؛ والأمل المفرط حين يصطدم بالواقع يتحول إلى غضب ومرارة.
فهل غضبنا من الشريك دائما غضب عليه، أم غضب على قصة صدقناها عن الحب ثم لم نجدها في حياتنا؟
زواج الأمس: نظام تشغيل مدعوم
كان الزواج قديما، في صورته الاجتماعية الغالبة، أقرب إلى فكرة استقرار البيت: أن يبقى السقف قائما، وأن تستمر العائلة، وأن تمضي الحياة ضمن ما يسمح به المجتمع من أدوار وحدود. وكان هذا الهدف يجد من يسنده: العرف، العائلة، نظرة الناس، وثقل الجماعة. كأن الزواج لا يقف وحده، بل تقف خلفه منظومة كاملة تمنحه وزنا إضافيا حتى حين تضعف العلاقة نفسها. بل إن طريقة تشغيل الزواج كانت شبه جاهزة: أدوار واضحة، وصبر يحمله الطرفان رغبة في حفظ البيت، ووسط اجتماعي يتدخل أحيانا رحمة وأحيانا ضغطا ليبقي الشكل قائما. وكأن الاستمرار كان معيارا كافيا، حتى لو بقيت في الداخل أمور لا تقال.
الزواج اليوم: امتحان جديد بأدوات قديمة
أما اليوم فنحن ندخل كثيرا من زيجاتنا بنظام التشغيل القديم ذاته، ثم ننصدم بالتغيير الكبير الذي طرأ على المنظومة: خف ضغط الجماعة، وتغيرت الأدوار، وكبرت توقعات الأفراد، وصارت العلاقة مطالبة أن تؤدي كل شيء وحدها: رفقة، وأمان، وحوار، ونمو، ومعنى.
فهل تغيرت الغاية فعلا؟ أم ضعف سند المجتمع؟ أم تغير ما صرنا نجرؤ على طلبه؟ أم أن الثلاثة تغيرت معا في وقت واحد، فصار الزواج امتحانا جديدا بأدوات قديمة؟
والأشد إرباكا أننا نعرف ومع ذلك نتجاهل: نعرف تجارب من حولنا، ونرى النسب أمامنا، ثم نتصرف وكأنها لا تنطبق علينا. أهو تفاؤل مشروع، أم تحيز إنساني يصر أن كل واحد منا حالة خاصة؟
دو بوتون في جوهر طرحه لا يبدو كأنه يقدم حلا سحريا، بقدر ما يقترح تبديل القصة التي نشغل بها الزواج: هل نشغله على وضع الحكاية الرومانسية، أم على وضع الواقعية الرومانسية؟ وهل الفرق بينهما مجرد مفردات، أم اختلاف في سقف توقعاتنا وفي قدرتنا على احتمال البشر كما هم؟
القصة الرومانسية: وعد سهل وخيبة سريعة
القصة الرومانسية تبدو مغرية لأنها سهلة الهضم: مشاعر قوية تعني أننا وجدنا الشخص، وانسجام تلقائي يعني أننا متوافقان، وعبارة الشريك يفهمني تعامل كأنها حق طبيعي لا يحتاج لغة أو تعلما. ثم يأتي اختبار الخلاف، والخلاف يبدو كأنه إعلان نهاية لا بداية فهم، فتخرج الأسئلة بسرعة: هل تسرعنا؟ هل الحب كان وهما؟ هل المشكلة دليل أن الاختيار كان خطأ من الأصل؟
لكن لماذا نميل أصلا إلى هذه القصة؟ هل لأن العقل يحب اليقين ويكره الغموض؟ هل لأن الأنسان اجتماعيا يبحث عن طمأنينة القبول أكثر من بحثه عن متاعب الفهم؟ وهل لأننا بطبيعتنا نرتاح للحكايات التي تمنحنا نهاية واضحة: وجدت نصفي الآخر وانتهى القلق؟
الواقعية الرومانسية: أقل سحرا وأكثر قابلية للعيش
أما الواقعية الرومانسية بوصفها إطارا للفهم فتبدو أقل سحرا، لكنها ربما أكثر فاعلية وقابلية للعيش: وضوح، اتفاقات، مهارات إدارة خلاف، مسؤوليات مشتركة، تقبل نقص بشري، وصيانة مستمرة لا لأن الحب ضعيف، بل لأن الحياة ثقيلة. لا تعد بأن النشوة ستبقى كما كانت، لكنها تفتح احتمالا آخر: أن يكون الخلاف طبيعيا لا فضيحة، وأن التفاهم يبنى ولا يمنح، وأن الحب في صورته الطويلة قد يحتاج تدريبا كما تحتاجه أي مهارة إنسانية.
وتقبل أن لكل إنسان مناطق وعرة في شخصيته لا تظهر بوضوح إلا حين تقترب المسافة ويطول الزمن. هذا المعنى قريب من تعريف الرومانسية الواقعية بوصفها وعيا بما يمكن توقعه من الحب، وبأننا نستطيع أن نصبح أقدر على الحب مع الوقت.
مفاجأة إحصائية: مشاكل العلاقات مزمنة!
وهنا تدخل مفاجأة تربك القصة الرومانسية وتريحها في الوقت نفسه: أبحاث جون غوتمان تشير إلى أن قرابة 69% من إشكالات العلاقات تدور حول مشكلات مزمنة لا تختفي تماما، لأنها نابعة من فروق شخصية وحياتية عميقة.
هل يبدو هذا محبطا أم محررا؟
إذا كانت أكثر الخلافات تعود، فهل معنى ذلك أننا اخترنا خطأ؟ أم أننا كنا نطلب من الحب وظيفة ليست وظيفته؟
hish_jasser@
لكن ما الذي يجعل الإنسان يظن نفسه سهلا أصلا؟ وهل نعرف أنفسنا كما نعيش في الداخل، أم كما يسمح لنا أن نبدو في الخارج؟ ربما لهذا السبب يجب أن لا نثق كثيرا في صورتنا عن أنفسنا؛ لكل واحد منا جانب لا يظهر إلا في العشرة، في السكن، في تكرار الأيام حيث لا ينقذنا الأداء.
قشرتنا المهذبة
عندما نكون في الخارج، ومع من لا نجالسهم باستمرار، نمارس فيما بيننا مجاملات اجتماعية تربي فينا قشرة مهذبة: لا أحد يخبرك بنبرتك حين تتوتر، ولا بطريقتك حين تجرح ثم تبرر، ولا عنادك، ولا مزحك الثقيل، ولا تلك التفاصيل التي تثقل على من يقترب. وننسحب قبل أن ينكشف ما نخاف انكشافه. لأن الناس يريدون قبولا.
أليس هذا الصمت نوعا من غريزة البقاء داخل الجماعة؟ خوف قديم من الرفض، من خسارة الود، من اهتزاز السمعة. فيفضل البشر مجاملة آمنة على صدق مكلف.
يبدأ السكن وتنكشف التفاصيل
ندخل إلى الزواج كأننا خفيفون، كأننا مفهومون، كأننا نسخة جاهزة للحياة المشتركة. ثم يأتي الشريك، لا لأنه قاس، بل لأنه الأقرب، فيقول لنا ما لم يقله المجتمع: هذا أنت حين يطول اليوم، وتضيق المساحة، وتختبرك التفاصيل، حين تنكشف بلا جمهور وبلا مجاملات.
ومن هذه المرآة تحديدا، مرآة العشرة، يبدو أن السؤال لا يعود عن قوة المشاعر فقط، بل عن قوة الفهم.
أتذكر هنا حديث دو بوتون عن الآمال التي تنفخ في الحب حتى تصير أضخم من الواقع؛ وكأن هناك صناعات كاملة مهمتها تضخيم توقعاتنا، ثم تتركنا وحدنا أمام يوميات لا تشبه الحلم. وفي سياق ذلك ذكر مقولة تنسب إلى ادورنو: أن أخطر رجل في أمريكا هو والت ديزني، لا لأن ديزني شرير بالمعنى المباشر، بل لأنه بهذا الخيال اللامع يصنع فينا أملا مفرطا؛ والأمل المفرط حين يصطدم بالواقع يتحول إلى غضب ومرارة.
فهل غضبنا من الشريك دائما غضب عليه، أم غضب على قصة صدقناها عن الحب ثم لم نجدها في حياتنا؟
زواج الأمس: نظام تشغيل مدعوم
كان الزواج قديما، في صورته الاجتماعية الغالبة، أقرب إلى فكرة استقرار البيت: أن يبقى السقف قائما، وأن تستمر العائلة، وأن تمضي الحياة ضمن ما يسمح به المجتمع من أدوار وحدود. وكان هذا الهدف يجد من يسنده: العرف، العائلة، نظرة الناس، وثقل الجماعة. كأن الزواج لا يقف وحده، بل تقف خلفه منظومة كاملة تمنحه وزنا إضافيا حتى حين تضعف العلاقة نفسها. بل إن طريقة تشغيل الزواج كانت شبه جاهزة: أدوار واضحة، وصبر يحمله الطرفان رغبة في حفظ البيت، ووسط اجتماعي يتدخل أحيانا رحمة وأحيانا ضغطا ليبقي الشكل قائما. وكأن الاستمرار كان معيارا كافيا، حتى لو بقيت في الداخل أمور لا تقال.
الزواج اليوم: امتحان جديد بأدوات قديمة
أما اليوم فنحن ندخل كثيرا من زيجاتنا بنظام التشغيل القديم ذاته، ثم ننصدم بالتغيير الكبير الذي طرأ على المنظومة: خف ضغط الجماعة، وتغيرت الأدوار، وكبرت توقعات الأفراد، وصارت العلاقة مطالبة أن تؤدي كل شيء وحدها: رفقة، وأمان، وحوار، ونمو، ومعنى.
فهل تغيرت الغاية فعلا؟ أم ضعف سند المجتمع؟ أم تغير ما صرنا نجرؤ على طلبه؟ أم أن الثلاثة تغيرت معا في وقت واحد، فصار الزواج امتحانا جديدا بأدوات قديمة؟
والأشد إرباكا أننا نعرف ومع ذلك نتجاهل: نعرف تجارب من حولنا، ونرى النسب أمامنا، ثم نتصرف وكأنها لا تنطبق علينا. أهو تفاؤل مشروع، أم تحيز إنساني يصر أن كل واحد منا حالة خاصة؟
دو بوتون في جوهر طرحه لا يبدو كأنه يقدم حلا سحريا، بقدر ما يقترح تبديل القصة التي نشغل بها الزواج: هل نشغله على وضع الحكاية الرومانسية، أم على وضع الواقعية الرومانسية؟ وهل الفرق بينهما مجرد مفردات، أم اختلاف في سقف توقعاتنا وفي قدرتنا على احتمال البشر كما هم؟
القصة الرومانسية: وعد سهل وخيبة سريعة
القصة الرومانسية تبدو مغرية لأنها سهلة الهضم: مشاعر قوية تعني أننا وجدنا الشخص، وانسجام تلقائي يعني أننا متوافقان، وعبارة الشريك يفهمني تعامل كأنها حق طبيعي لا يحتاج لغة أو تعلما. ثم يأتي اختبار الخلاف، والخلاف يبدو كأنه إعلان نهاية لا بداية فهم، فتخرج الأسئلة بسرعة: هل تسرعنا؟ هل الحب كان وهما؟ هل المشكلة دليل أن الاختيار كان خطأ من الأصل؟
لكن لماذا نميل أصلا إلى هذه القصة؟ هل لأن العقل يحب اليقين ويكره الغموض؟ هل لأن الأنسان اجتماعيا يبحث عن طمأنينة القبول أكثر من بحثه عن متاعب الفهم؟ وهل لأننا بطبيعتنا نرتاح للحكايات التي تمنحنا نهاية واضحة: وجدت نصفي الآخر وانتهى القلق؟
الواقعية الرومانسية: أقل سحرا وأكثر قابلية للعيش
أما الواقعية الرومانسية بوصفها إطارا للفهم فتبدو أقل سحرا، لكنها ربما أكثر فاعلية وقابلية للعيش: وضوح، اتفاقات، مهارات إدارة خلاف، مسؤوليات مشتركة، تقبل نقص بشري، وصيانة مستمرة لا لأن الحب ضعيف، بل لأن الحياة ثقيلة. لا تعد بأن النشوة ستبقى كما كانت، لكنها تفتح احتمالا آخر: أن يكون الخلاف طبيعيا لا فضيحة، وأن التفاهم يبنى ولا يمنح، وأن الحب في صورته الطويلة قد يحتاج تدريبا كما تحتاجه أي مهارة إنسانية.
وتقبل أن لكل إنسان مناطق وعرة في شخصيته لا تظهر بوضوح إلا حين تقترب المسافة ويطول الزمن. هذا المعنى قريب من تعريف الرومانسية الواقعية بوصفها وعيا بما يمكن توقعه من الحب، وبأننا نستطيع أن نصبح أقدر على الحب مع الوقت.
مفاجأة إحصائية: مشاكل العلاقات مزمنة!
وهنا تدخل مفاجأة تربك القصة الرومانسية وتريحها في الوقت نفسه: أبحاث جون غوتمان تشير إلى أن قرابة 69% من إشكالات العلاقات تدور حول مشكلات مزمنة لا تختفي تماما، لأنها نابعة من فروق شخصية وحياتية عميقة.
هل يبدو هذا محبطا أم محررا؟
إذا كانت أكثر الخلافات تعود، فهل معنى ذلك أننا اخترنا خطأ؟ أم أننا كنا نطلب من الحب وظيفة ليست وظيفته؟
hish_jasser@