عبداللطيف محمد الحميدان

العدالة في العراق تحت المجهر

الاثنين - 26 يناير 2026

Mon - 26 Jan 2026



هل قرار الولايات المتحدة المتضمن نقل مساجين تنظيم داعش والمتطرفين من ساحات الاحتجاز في سوريا إلى العراق إيجابي أم سلبي؟ لأنه لا يمكن قراءته كخطوة إجرائية أمنية فحسب، بل كتحول عميق في مركز ثقل إدارة ملف الإرهاب من فضاء دولي رمادي إلى ساحة دولة ذات تاريخ معقد في التوظيف السياسي للعدالة.

ويكتسب هذا القرار بعدا إضافيا في ضوء إعلان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مطالبته للدول التي لها مواطنون بين المعتقلين بتسلم مواطنيها وضمان محاكمتهم في بلدانهم، في محاولة ظاهرة لتقاسم العبء القانوني والأخلاقي والسياسي لهذا الملف الشائك، غير أن هذه الدعوة رغم وجاهتها القانونية تكشف في الوقت نفسه حجم المأزق الذي يواجهه العراق وهو يتحول إلى عقدة مركزية في شبكة العدالة الدولية الخاصة بالإرهاب.

لأن هذا القرار يعني عمليا إعادة تدوير الخطر داخل بيئة لم تخرج بعد من صدمات الدولة المنهكة، حيث تتقاطع الذاكرة الطائفية مع هشاشة المؤسسات، ومع شهية القوى الداخلية لتوظيف كل ملف أمني في إعادة ترتيب موازين السلطة.

وفي هذا السياق يصبح السجين ليس مجرد متهم، بل ورقة ضغط ورسالة إقليمية واختبار لمدى قدرة العراق على الفصل بين العدالة والسياسة، حتى وهو يطالب الآخرين بتحمل مسؤولية مواطنيهم وعدم ترك العراق وحيدا في مواجهة هذا الإرث الثقيل.

علما بأن المحاذير الكبرى تبدأ من طبيعة النظام القضائي نفسه، ومن درجة استقلاله الفعلية عن مراكز القرار السياسي والأمني، فملف داعش يحمل أعلى كثافة رمزية في الوعي العراقي، وهو الملف الأكثر قابلية لإعادة الشحن الطائفي، وإعادة إنتاج خطاب التخويف والانتقام، خصوصا في حال تولى نوري المالكي رئاسة الحكومة الجديدة، لإن التاريخ القريب يفرض نفسه بوصفه مرآة لما يمكن أن يحدث، حيث عرف العراقيون في ولاياته السابقة توسعا في توظيف القضاء والأجهزة الأمنية في صراعات داخلية، وتضييقا على الخصوم تحت عناوين مكافحة الإرهاب.

ونقل آلاف المعتقلين حتى مع دعوات إعادة بعضهم إلى بلدانهم سيمنح أي حكومة مركزا هائلا لإعادة بناء سردية أمنية تبرر تشديد القبضة وتصفية الحسابات وإعادة هندسة المشهد السياسي باسم حماية الدولة.

والخطر الأعمق لا يكمن في الأحكام بحد ذاتها، بل في مسار التحقيق والتصنيف، وفي تعريف من هو الإرهابي، ومن هو المقاتل، ومن هو المشتبه به، ومن هو الخصم السياسي، في بيئة منقسمة، حيث يمكن بسهولة توسيع دوائر الاشتباه لتشمل شبكات اجتماعية ومناطق كاملة، فتتحول المحاكمات من آلية عدالة إلى آلية ضبط سياسي طويل الأمد، وحتى مع مطالبة بغداد للدول باستعادة مواطنيها، يبقى الجزء الأكبر من الملف خاضعا لمعادلات داخلية تجعل من العدالة ساحة إضافية للصراع، وهذا السيناريو ربما يفتح الباب أمام إعادة إنتاج سجون جماعية ذات طابع طائفي، ويعيد العراق إلى مناخ ما بعد 2006، حين تحولت مكافحة الإرهاب إلى عنوان دائم لإدامة الاستقطاب، ولتعطيل أي مسار مصالحة حقيقي.

وأما على مستوى العالم السني في المنطقة، فإن أبعاد هذه المحاكمات ربما تتجاوز الجغرافيا العراقية، لتلامس عمق الشعور الجمعي بالاستهداف والتمييز، لأن في المخيال السني المعاصر ارتبط ملف داعش منذ البداية بتداخله الأمني والطائفي، وبازدواجية المعايير الدولية، ونقل المعتقلين إلى دولة ذات تركيبة مذهبية حساسة، مع الاكتفاء بدعوة الآخرين لاستعادة جزء من مواطنيهم، سيعزز القناعة بأن العدالة ليست محايدة، وأن الإرهاب يستخدم كأداة لإعادة ترتيب المجال السياسي ربما ضد بيئات محددة، وهذا الشعور لا ينتج تعاطفا مع التنظيم بقدر ما يغذي حالة اغتراب عميقة تجاه الدولة وتجاه المنظومة الإقليمية برمتها.

والنتيجة الاستراتيجية الأخطر أن هذه المحاكمات قد تتحول من فرصة لتفكيك إرث التطرف إلى عامل جديد في إعادة إنتاجه على المدى المتوسط، فحين يشعر محيط اجتماعي واسع بأن أبناءه يحاكمون في إطار مسيس، أو يحتجزون لأن دولهم ترفض استلامهم، فإن السرديات الراديكالية تجد تربة خصبة لتجديد خطاب المظلومية، ولتغذية دوائر العنف الصامت، وفي الإقليم الأوسع ستراقب القوى السنية هذه التجربة باعتبارها مؤشرا على مستقبل التوازنات الطائفية، وعلى حدود إمكانية الاندماج السياسي داخل دول ما بعد الصراع.

ويتضح أن نقل المساجين حتى مع مطالبة رئيس الوزراء للدول بتسلم مواطنيها وضمان محاكمتهم، بأنه ربما لن يمثل نهاية لملف داعش، بل بداية فصل أكثر تعقيدا تتقاطع فيه العدالة مع السلطة، وتتشابك فيه الذاكرة مع الحسابات الإقليمية، ونجاح هذا المسار مرهون بقدرة العراق على بناء محاكمات شفافة مستقلة، وبضمان عدم تحويل السجون إلى مختبرات سياسية، وبمدى تجاوب المجتمع الدولي مع مسؤولياته، أما فشله فسيعني ببساطة أن الحرب على الإرهاب ربما لم تنته، بل غيرت شكلها، وانتقلت من ساحات القتال إلى غرف التحقيق، ومن البنادق إلى الأحكام، ومن التنظيم إلى المجتمعات.