عمر عبدالرحمن الشدي

صديقي.. خارج التغطية

الاثنين - 26 يناير 2026

Mon - 26 Jan 2026



نحن في عام 2026؛ زمن تقاس فيه الأيام بعدد الإشعارات، ويعرَف الحضور بعدد المتابعين، ويعلن فيه الانتصار بعدد «لايكات - like». في هذا الضجيج كله، باغتني صديقي بمكالمة طويلة، بطول المسافة التي صنعها الزمن بيننا. مكالمة أعادتني إليه، وأعادتني إلى نفسي، قبل أن يصدمني باعترافه البسيط «لا علاقة له بعالم التواصل الاجتماعي».

لا حساب في «إكس»، ولا صورة في «إنستغرام»، ولا قصص تختفي بعد أربع وعشرين ساعة. هاتفه يحب الصمت، لا يهتز إلا حين يرن صوت إنسان. سألته بدهشة حقيقية: كيف تعيش هكذا؟ ابتسم، كما لو أن السؤال لا يستحق كل هذا الاستغراب، وقال بهدوء: أعيش طبيعيا.. خارج التغطية.

صديقي ليس ناسكا، ولا عدوا للتقنية. يعمل، يقرأ، يتابع الأخبار، ويعرف ما يدور حوله، لكن بطريقته الخاصة. لا يمر عبر خوارزميات تختار له ما يراه، ولا تقرر عنه متى يغضب ومتى يفرح. وجوده في هذا الزمن يربكنا نحن الغارقين في الشاشات، لأنه يذكرنا بحقيقة نتغافل عنها «أن ما اعتدناه لم يكن قدرا، بل اختيار جماعي سهلناه حتى صار قاعدة».

ومع الوقت، اكتشفت أن صديقي ليس حالة فردية. في جلسات الأصدقاء يظهر أكثر من نموذج مشابه، من يملك «واتساب» ولا يفتحه إلا للضرورة، من عطل «آخر ظهور» منذ سنوات، ومن حذف حساباته كلها بعد أن شعر أن يومه يستنزف في الردود والتمرير. هؤلاء ليسوا جهلة، ولا معزولين عن العالم، بل أصحاب قناعات شخصية؛ بعضهم ضاق بضجيج المجموعات، بعضهم سئم المقارنات اليومية، وبعضهم قرر ببساطة أن خصوصيته ليست سلعة قابلة للتداول.

اللافت أن هذا السلوك، الذي نعده غريبا، حاضر في الدراسات. تقارير بحثية دولية تشير إلى أن شريحة غير قليلة من البالغين، حتى في الدول المتقدمة، لا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بانتظام، أو لا تستخدمها إطلاقا، رغم اتصالهم الدائم بالإنترنت. تختلف النسب من بلد لآخر، لكن الرسالة واحدة: الانتشار الواسع لا يعني الشمول الكامل، ودائما هناك من يختار الوقوف خارج الدائرة بوعي.

الدوافع كثيرة، لدى البعض حساسية عالية تجاه الوقت؛ يرون كيف تتحول دقائق التمرير إلى ساعات مهدرة، وآخرون يتخذون موقفا أخلاقيا من ما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تصمم المنصات لتشد المستخدم لا لخدمته. وهناك من يفضل العلاقات المباشرة، ويؤمن أن الصداقة لا تقاس بسرعة الرد، ولا بعدد الرموز التعبيرية. وفي حالات أخرى، تكون الخصوصية هي العنوان الأبرز؛ خوفا من مشروع جمع البيانات، ومن تحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة تحليل وإعلانات.

يقول صديقي إن أكبر ما ربحه هو صفاء الذهن.. لا يستيقظ على خبر عاجل، ولا ينام وهو يقارن نفسه بإنجازات الآخرين المصقولة بعناية، يقرأ تقريرا كاملا بدل عنوان مبتور، ويتخذ موقفه بعد تمهل، لا بعد موجة.. وحين يحدثنا، ينظر في أعيننا، لا في شاشة هاتفه، يبدو هذا تفصيلا بسيطا، لكنه في زمننا رفاهية نادرة.

هل يعني هذا أن وسائل التواصل شر مطلق؟ بالطبع لا. هي أدوات فتحت أبوابا للتواصل، ونقلت المعرفة، وقربت البعيد. لكنها، مثل أي أداة، تتحول إلى عبء حين تستخدم بلا وعي، المشكلة ليست في المنصات، بقدر ما هي في علاقتنا بها، هل نقودها أم تقودنا؟ هل نستخدمها للتواصل، أم لتسكين القلق؟

بعض الدراسات التي قارنت بين مستخدمين كثيفين وغير مستخدمين رصدت فروقا في مستويات التوتر والتركيز والإحساس بالرضا، مع اختلاف النتائج باختلاف الثقافة والسياق. لكن الخلاصة المشتركة واضحة، الاعتدال والاختيار الواعي، يصنعان فرقا، لسنا مطالبين بأن نغادر جميعا، ولا أن نبقى جميعا، بل أن نعرف لماذا نحن هنا.

عندما أعود من لقاء صديقي، أفتح هاتفي كعادتي، لكن بشعور مختلف.. أسأل نفسي كم مما أتابعه أحتاجه فعلا؟ وكم رسالة كان يمكن أن تكون مكالمة؟ وكم رأيا تبنيته لأن الخوارزمية وضعته أمامي مرارا؟ وجوده في حياتي ليس احتجاجا صامتا على العصر، بل مرآة تذكرني بأننا، رغم كل هذا التقدم، ما زلنا نملك حق الاختيار.

ربما لن أكون مثله، وربما لن يحذف الجميع حساباتهم غدا، لكن قصة صديقي تقول شيئا مهما في عالم يطالبك بالحضور الدائم، قد يكون الغياب المدروس شكلا آخر من أشكال الحكمة، وفي زمن يختزل الإنسان في صورة ومنشور، يظل الإنسان أوسع من أي منصة.