من الملاحظة إلى التنبؤ – نماذج الحركة وإدارة تدفق المدن
الاثنين - 26 يناير 2026
Mon - 26 Jan 2026
لسنوات طويلة، لم تكن المدن تملك سوى «عين الملاحظة» لفهم ما يجري داخلها. كاميرات موزعة هنا وهناك، تقارير مرور متقطعة، شكاوى سكان، وفرق ميدانية تحاول قراءة ما يحدث بعد وقوعه. كانت المدينة ترى الماضي أكثر مما ترى الحاضر، وتتحرك متأخرة دائما خطوة عن الأزمة. فالملاحظة، مهما بلغت دقتها، تبقى حبيسة ما جرى بالفعل، لا ما سيحدث بعد لحظات.
ومع تضخم المدن، وزيادة عدد السكان، وتعقد شبكات الطرق والخدمات، لم يعد الاعتماد على الملاحظة مجديا. وهنا بدأت واحدة من أهم التحولات الفكرية في التخطيط الحضري: الانتقال من الملاحظة إلى التنبؤ.فنماذج التنبؤ بالحركة لم تعد رفاهية تقنية، بل أصبحت ضرورة وجودية. مدينة لا تتنبأ بما سيحدث غدا تشبه سائقا يسير وسط ضباب كثيف؛ يرى مترا واحدا أمامه ويتمنى ألا يصطدم بما لا يراه.
أما المدن الحديثة، فقد غيرت قواعد اللعبة. أصبحت تعتمد على نماذج قادرة على تحليل ملايين النقاط من البيانات المكانية والسلوكية، وتحويلها إلى سيناريوهات دقيقة تظهر «ما سيحدث» قبل أن يتجسد على الأرض. هذه القدرة الاستباقية هي ما يصنع الفرق بين مدينة تلاحق الأزمات، وأخرى تمنعها قبل أن تولد.
لكن التنبؤ لا يعمل في فراغ، ولا يمكن أن يستند إلى بيانات متفرقة أو غير دقيقة. وهنا يظهر الدور الوطني الحاسم للهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA. فهي الجهة التي تضمن أن تعتمد النماذج التنبؤية على بيانات مكانية موحدة، وسيادية، ومنسقة بدقة تجعل النموذج يعكس الواقع وليس نسخة مشوهة عنه. فدون مرجع مكاني وطني، لا يمكن أن تقوم أي مدينة ببناء نموذج تنبؤ موثوق، مهما كانت أدواتها متطورة.
وترتكز النماذج التنبؤية على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: السلوك يتكرر إذا تكررت ظروف المكان والزمان. وهذا ما توضحه المعادلة الفكرية WQ (البيانات × المكان × السلوك × القيم = القرار). حيث إن الازدحام لا يظهر فجأة، بل يرسل إشارات صغيرة قبل أن يتشكل: زيادة طفيفة في عدد الرحلات، وتباطؤ غير ملحوظ في السرعة، وتغير في توقيت الذروة، أو ضغط غير معتاد في نقطة معينة.
المدينة التقليدية لا ترى هذه العلامات إلا بعد أن تتحول إلى أزمة. أما المدينة الذكية، فترصدها قبل حدوثها بشرط أن تكون بيانات المكان صحيحة.
وتتجاوز النماذج التنبؤية مجرد رصد الحركة، فهي تحاكي أثر كل قرار محتمل. قبل إغلاق شارع لإصلاحات، لا تحتاج المدينة للتخمين؛ التوأم الرقمي يحاكي السيناريو في ثوان، ويعرض البدائل وتأثيراتها.وعند افتتاح مدرسة أو مستشفى جديد، تظهر النماذج كيف سيتغير التدفق في ساعات الذروة.بل يمكن للمدينة أن ترى «عامها القادم» عبر نافذة صغيرة، قبل أن يراه سكانها.
ومع أن هذه النماذج تعتمد على رياضيات معقدة، إلا أن جوهرها بشري للغاية. فهي تعنى بفهم سلوك الناس:لماذا يغيرون مسارهم فجأة؟ ما الذي يجعلهم يفضلون طريقا على آخر؟ كيف تؤثر الخدمات الجديدة في حركة الأحياء؟ وما أثر النقل العام في تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بلا بيانات مكانية موثوقة - البيانات التي تجعل GEOSA حجر الأساس لكل نموذج تنبؤي يعمل اليوم في المملكة.
وتثبت التجارب العالمية قيمة هذا التحول. فسنغافورة تمكنت من خفض وقت الذروة بنسبة 25% خلال خمس سنوات عبر نماذج تنبؤية دقيقة. لندن نجحت في تقليل الحوادث بعدما اكتشفت «نقاط الخطر المستقبلية». وسيول أعادت تصميم شبكات النقل العام بعدما فهمت تغير سلوك الرحلات بين الأحياء.
هذه التجارب الثلاث توصل إلى خلاصة واحدة: المستقبل لا يُنتظر... بل يبنى.
ومع تعقد المدن الحديثة، لم يعد التنبؤ خيارا ثانويا. الحركة لم تعد حدثا قائما بذاته، بل علاقة مستمرة بين الإنسان والمكان والزمن. وكلما زادت دقة البيانات، ارتفعت قدرة المدينة على التوقع. بل إن التنبؤ أصبح اليوم جزءا من الحوكمة الحضرية، لا مجرد أداة تحليل.
وفي المملكة، تقود GEOSA هذا التحول بخطى ثابتة، عبر توفير البيانات المكانية الوطنية التي تجعل الرياض وجدة والدمام ومكة والمدينة قادرة على رؤية الغد كما ترى اليوم.
وفي المقال القادم، سنسافر إلى ثلاث تجارب عالمية علمت العالم كيف تدار المدن بوعي: سنغافورة، لندن، وسيول - وما الذي يمكن لمدننا أن تتعلمه منها؟