علي عبدالله باوزير

خطاب كارني: القوى المتوسطة... والعالم الجديد

السبت - 24 يناير 2026

Sat - 24 Jan 2026

يبدو منتجع دافوس السويسري Davos صغيرا وغير ذي أهمية، فما هو سوى منتجع للتزلج في جبال الألب، سكانه في حدود العشرة آلاف نسمة، لا غير.

لكن أهمية دافوس تنبع من أن أقطاب السياسة والاقتصاد في عالمنا يجتمعون في دافوس في شهر يناير/كانون الثاني من كل عام، حيث ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum لتشكيل الأجندة العالمية والإقليمية والاقتصادية!

وقد ألقى مارك كارني Mark Carney، رئيس وزراء كندا كلمة غير عادية في اجتماع هذا العام. وهي كلمة تاريخية: عميقة في صياغتها وفي معانيها، وقف لها الحاضرون تصفيقا من رؤساء دول وقيادات اقتصادية عالمية، كما حظي الخطاب باهتمام كبير سياسيا وإعلاميا لأنه يلخص طبيعة المرحلة التي يمر بها العالم، ويبين إلى أي مدى تختلف هذه المرحلة عن المرحلة السابقة التي كان يعيشها العالم حتى سنوات قليلة مضت.

ومن أهم ما جاء في كلمة مارك كارني أن النظام العالمي المعروف أصبح مجرد "وهم" قد تم تفكيكه على مدى العقدين الماضيين، ولا شك أن هناك شواهد كثيرة على تهميش وتفكيك النظام الدولي نراها من حولنا: من أوضحها الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وتحول الأمم المتحدة إلى كيان له دور محدود وغير فعال.

كما أوضح كارني أن من يتعاملون مع العالم بمفهوم "النظام الدولي" الرسمي فإنهم يحفرون قبورهم بأيديهم، خاصة إذا كانوا يتعاملون مع القوى العظمى كدول منفردة.. وأن القوى المتوسطة - ومنها بعض الدول العربية - عليها القيام بدور غاية الأهمية في هذه المرحلة، ومارك كارني سياسي مخضرم عمل عضوا في البرلمان الكندي وشغل منصب زعيم الحزب الليبرالي، وهو أيضا خبير اقتصادي عمل مندوبا لكندا في مجموعة السبعة الكبار G7، كما عمل محافظا لبنك كندا Governor of the Bank of Canada حتى عام 2013، ومن بعدها عمل محافظا لبنك إنجلترا Governor of the Bank of England حتى عام 2020.

وأستعرض في ما يلي بعض ما جاء في خطاب مارك كارني:

أشار مارك كارني في كلمته إلى أن النظام العالمي القائم على القواعد rules-based international order هو كذبة نعيشها "Living within a lie" وهو نظام لا بد في طريقه إلى الزوال (سريعا)، وفي جميع الأحوال فإن الأقوياء يتجاهلونه عندما يناسبهم.

Rules based order is false, the strongest ignore it when convenient.

وبموجب خطاب مارك كارني، فإن الرجوع إلى عصر النظام الدولي المبني على قواعد متفق عليها ما بين مختلف الأطراف هو لا أكثر من "وهم جميل"، لا يعكس الواقع... ومن اللافت للنظر أن مارك كارني شبه ذلك "الوهم الجميل" الذي يعيشه الغرب بالـ"وهم" الذي كان يعيش فيه الاتحاد السوفيتي قبل انهياره!!

فالواقع أن العصر القديم قد حل محله عصر جديد يقوم على "الصراع غير المحكوم" ما بين القوى العظمى: كما نرى في تايوان وأوكرانيا وغيرهما... وهو صراع تستخدم فيه الأدوات الاقتصادية ذاتها التي كانت مصممة حتى تكون وسيلة للتعاون ما بين الدول: كسلاسل التوريد والشبكات المالية والتعريفات الجمركية وغيرها من الأدوات، التي أصبحت تستخدم كأدوات للضغط levers of coercion، بدلا من أن تكون أدوات تخدم التعاون المشترك.

وفي هذا الواقع الجديد ليس أمام القوى المتوسطة middle powers سوى أن تعمل على بناء قدراتها الذاتية الاستراتيجية strategic autonomy حتى تحمي نفسها: سواء كان ذلك بناء اقتصاد محلي قوي، أو العمل على الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء أو الدفاع أو الطاقة، أو غير ذلك.... كما أن على القوى المتوسطة أن تتعاون ما بينها لتخلق "واقعا جديدا" يمكنها من الصمود أمام هجمات وأطماع القوى العظمى، لأن بقاء هذه الدول تعمل منفردة هو نوع من الانتحار البطيء (وربما السريع).

فالنظام الدولي لا يحمي أحدا، والانصياع لإملاءات القوة العظمى لم يعد يضمن أمن الدول.

Compliance won't buy safety.

و"الحماية" الأمريكية أصبحت مجرد وهم: فإذا كانت أمريكا لا تحمي حلفاءها في منظمة الناتو كما نرى في حالة غرينلاند، فمن هم الذين سوف تحميهم أمريكا؟

وفي هذا السياق ألمح مارك كارني إلى أن اتفاقيات التعاون ما بين القوى المتوسطة يجب أن تكون اتفاقيات واقعية، كما يجب أن تقوم على مبادئ مشتركة حتى يمكنها الصمود: كالتنمية المستدامة، واحترام السيادة، وعدم اللجوء إلى استعمال القوة، وغيرها من مبادئ أساسية يجب أن تتمسك بها جميع الأطراف المتعاونة، وكذلك يجب على هذه القوى إنشاء شبكتها الخاصة من العلاقات والاتفاقات الدولية التي تخدم مصالحها... حتى يكون عندها بديل للنظام الدولي الذي أصبح في حالة انهيار.

والخلاصة أن القوى المتوسطة إذا لم تكن قادرة على الوقوف بقوة حتى تحجز لنفسها مقعدا على طاولة صناعة القرار إلى جوار القوى العظمى، فليس أمامها إلا أن تتحول إلى "فرائس" تلتهمها القوى العظمى، على حد تعبير رئيس الوزراء الكندي:

"إذا لم تكن حاضرا على الطاولة، فأنت على قائمة الطعام".

“If you are not at the table, you’re on the menu”

هذه الأفكار التي طرحها رئيس الوزراء الكندي هي مخرج لكثير من الأزمات في مختلف مناطق العالم التي يرجع سببها إلى النظام الدولي السابق الذي أشعل الصراعات حتى يتولى "إدارتها"، فإذا استطاع أبناء أي منطقة التعاون ما بينهم على أسس مشتركة، فسوف يمكنهم مواجهة الكثير من الأزمات العالقة منذ سنوات. فالتعاون ما بين أبناء المنطقة لم يعد ترفا، بل هو ضرورة لا غنى عنها، وخاصة أنهم جميعا قد أصبحوا مهددين وأنه قد سقط "وهم الحماية الخارجية".

من ناحية أخرى فإن تراجع القوة العظمى المسيطرة وانشغالها في صراعات متعددة يعطيان التعاون الإقليمي ما بين القوى المتوسطة فعالية أكبر، ما يمكن الأطراف المتعاونة من إنجاز ما لم يكن باستطاعتهم إنجازه في السابق.

ولا شك أن تعاون القوى المتوسطة سوف يكون أشد فعالية إذا كان تعاونا على المستوى الدولي ولم يكن فقط تعاونا على المستوى الإقليمي.

فلا بد من بديل للوضع الحالي القائم على تفكيك النظام الدولي وصراع القوى العظمى، ولعل النظام العالمي البديل يقوم بمبادرة من القوى المتوسطة، وخاصة أن القوى المتوسطة مجتمعة قدراتها هائلة.

فالعالم الجديد بحاجة إلى فكر جديد، وكما سبق وأقامت الدول النامية "حركة عدم الانحياز" من بعد مؤتمر باندونج عام 1955، التي كانت حركة لها دور مؤثر على المستوى الدولي، وكانت تعتبر "فكرا جديدا" في زمنها.

فإن القوى المتوسطة ليست عاجزة، وبإمكانها إقامة نظام يقوم على حماية مصالحها وسيادتها، قبل أن تتفاقم الأمور، ويخسر الجميع.