وليد الزامل

كيف يستدعي التصميم الخوف؟

السبت - 24 يناير 2026

Sat - 24 Jan 2026



سافرت إلى مدينة ما وقررت السكن في فندق فخم. يحتوي الفندق على مساحة وردهة واسعة لاستقبال النزلاء والضيوف تتخللها نوافير وإضاءات بتصاميم وألوان غاية في الجمال. ذهبت إلى غرفتي واستلقيت على السرير، وعلى الرغم من التعب وجهد السفر، لم أستطع النوم تلك الليلة. كل شيء كان يبدو على ما يرام، الإضاءة والتدفئة، ولكن لم أشعر بالارتياح. شعرت أن طاقة المكان ساهمت في زيادة التوتر الذهني، عندها تساءلت هل التصميم المادي كاف لتلبية احتياجات الإنسان أم هناك أبعاد ميتافيزيقية في التصميم؟

في الواقع، الخطاب العمراني المعاصر، يشدد دوما على تحقيق التوازن بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، باعتبارها تعبر عن أهداف التنمية المستدامة SDGs. ولكن هذا لا يعني إغفال الجوانب الثقافية وغير المادية بما في ذلك الغيبيات والماورائيات. إن الجانب الغيبي يمثل الوعي الجمعي للسكان وغالبا ما يوجه سلوكهم وتفاعلاتهم مع المكان. فالمعتقدات الدينية أو الثقافة الرمزية وحتى المشاعر الأسطورية تؤدي إلى تقبل المنتج العمراني أو رفضه بغض النظر عن نمط التصميم أو الكفاءة الوظيفية. هناك صورة ذهنية ترتبط في وجدان المجتمع حول المكان ولا يمكن تغييرها أو رسم صورة مناقضة لها.

مشاعر الخوف مثلا لا تأتي من المخاطر المادية فحسب؛ بل يمكن أن ترتبط المشاعر بخوف الإنسان من المجهول. هذا الخوف الأسطوري نابع من ثقافة شكلت العلاقة بين الإنسان والمكان عبر تراكم زمني طويل المدى ولا يمكن تلافيها أو تجاهلها في التصميم لأنها منغرسة في وجدان المجتمع وعقيدته. وفقا لذلك، رمزية المكان يمكن أن تؤكد هذا الخوف أو تكون مصدرا للطمأنينة متى ما أحسن استخدامها. إن تجاهل المخطط، أو المصمم العمراني، أو المعماري للقيم الرمزية في المكان يؤدي إلى إنتاج فضاءات عمرانية أو مبان غير قادرة على التماهي مع ثقافة المجتمع مهما بلغت توافقها مع المعايير الفنية. وهكذا، يمكن أن يصبح الفضاء الحضري أو البناء المادي مصدر خوف أو سبب شؤم.

مشروع حسن فتحي لإسكان الفقراء انطلق من أبعاد التعاون في البناء واستخدام مواد بناء وطرز تصميمية مستوحاة من البيئة المحلية، وهو فكر نموذجي رائد لمواجهة أزمة إسكان الفقراء. ولكن قرية القرنة التي بنيت أواخر الأربعينات في مصر لم تحقق نجاحا تاما في استقطاب السكان. لم يقدم المشروع أنماطا متسقة مع المجتمع على الرغم من نجاح النموذج المادي للعمارة الطينية أو عمارة الفقراء. العديد من الفلاحين رفضوا السكن؛ لأن مساكنهم كانت مفصولة عن حظائر الماشية. وربما لم يدرك فتحي العلاقة الحميمة بين الفلاح وماشيته ليصيغها في إطار تصميمي ملائم. ولكن السبب الأهم في عدم نجاح القرية هو في تصميم المساكن ذات القباب التي ذكرت سكانها بالأموات. إن اعتماد القباب في تصميم المساكن أعاد إلى أذهان السكان البسطاء صور المقابر، بما تحمله من دلالات الموت والخوف، وهو ما خلق نفور حسي حال دون تقبلهم للمكان. في الحقيقة، التركيز على التصميم المعماري وحده، أو الطراز العمراني ومواد البناء يجب ألا يكون بمعزل عن فهم ثقافة المجتمع والجوانب العقدية أو الغيبيات التي يؤمن بها المجتمع.

ختاما، فإن التخطيط والتصميم الناجحَين لا يقتصران على قراءة الاحتياجات المادية، بل يتطلبان استيعابا تاما للرموز والمعتقدات التي تشكل علاقة الإنسان بالمكان. وعليه تبرز أهمية دمج البعد الغيبي ليمنح المدينة روحا تتجاوز المادة إلى المعنى.