عبدالله فدعق

المسائل الخلافية ليست ميدانا للحسم

السبت - 24 يناير 2026

Sat - 24 Jan 2026



ليست كل المسائل الدينية والدنيوية ميدانا للحسم القاطع؛ ففي كثير من القضايا يتسع الاجتهاد، وتتنوع المداخل، وتتشابه المقاصد وإن اختلفت العبارات؛ وهذه حقيقة معرفية قبل أن تكون موقفا أخلاقيا؛ فالواقع أوسع من قالب واحد، والنصوص نفسها، كما يعرف طالب العلم المتخصص، تقرأ على ضوء قواعد الفهم، ومراتب الدلالة، وسياقات التنزيل، ومناهج الاستنباط.

التباينات والمشكلات لا تبدأ من اختلافات الرأي، بل من الطريقة التي ندير بها اختلافاتنا، فثمة فرق بين خلاف ينتج معرفة، وخلاف ينتج خصومة، وبين من يبحث عن الحق، ومن يبحث عن الغلبة، وبين من يستزيد فهما، ومن يستزيد تسلطا، وحين يهبط النقاش من مقام التحرير، إلى مقام التصنيف، يتحول الاجتهاد إلى محاكمات، ويصبح السؤال ذريعة للتشكيك لا للفهم، ويغدو الخلاف أداة إقصاء لا وسيلة هداية.

النضج الفكري ألا نحول الخلاف إلى خصومة أو تصنيف؛ بل إلى فهم وميزان وإنصاف، فنلتمس الحق ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونقر بأن الوصول إليه قد يمر عبر طرق متعددة، لا عبر طريق واحد يحتكر الصواب، وفي المسائل الاجتهادية «خصوصا»، لا يستقيم أن يعامل المخالف معاملة الخصم، ولا أن تلصق به النيات والتشكيكات، ولا أن تؤخذ الهفوة مأخذ الجريمة، فالتشدد في تجريم المختلف يقتل مساحة العيش المشترك، ويصنع قلوبا متوترة، ويفتح بابا واسعا للفوضى المعنوية، حيث تتزاحم الأحكام على الأشخاص بدل أن تتزاحم الأدلة على الأقوال.

إن كثيرا مما يثار في المجال العام ليس من القطعيات التي لا تحتمل إلا وجها واحدا، بل من الظنيات التي تتعدد فيها المدارك، وتختلف فيها التقديرات، وتتباين فيها المصالح والمفاسد، ومن الإنصاف أن نفرق بين خطأ في الفهم وخطأ في القصد، وبين قول يحتمل التأويل وبين قول صريح لا يحتمل ذلك، ومن ضيق واسعا، جعل الناس في حرج، ومن وسع ضيقا أضاع الضوابط، والحكمة هي في الميزان الذي يحفظ للحق هيبته، ويحفظ للناس أقدارهم.

التحدي الأكبر في هذا الزمن ليس في نقص المعلومات، بل في ضعف أدب الإنصات، وأدب الاعتراف بتعدد المداخل، وأدب التراجع عند اتضاح الصواب، وأدب حسن التأويل، حين لا تكون الكلمة صريحة في الخطأ، وبغير هذه الآداب يتحول الدين إلى صراع، والفكر إلى ضجيج، والنقاش إلى سوق للمغالبة لا ساحة للبصيرة؛ ومن آفات الوعي العام اليوم نبش القديم الذي أكل عليه الدهر وشرب، وإعادته إلى السطح كلما دعت خصومة أو احتاجت منصة إلى إثارة؛ وكأن الناس لا تتطور، ولا تتعلم، ولا تراجع، ولا يتبدل فهمها مع الزمن، ومن العقل والإنصاف ألا نحاكم الناس بأثر رجعي على اقتباسات خلافية، أو مسائل خرجت من دائرة المسلمات، أو نهتم للاستجابة لمن يجيد تحريك الأمزجة أكثر مما يجيد تحرير الأمثلة؛ فالرأي العام إذا ترك للعاطفة وحدها صار ملعبا للصوت الأعلى، لا للحجة الأقوم.

أختم بأن الخلاف ليس عيبا؛ العيب أن نفقد معه العدل، وليس الخطر في تنوع الآراء، بل في أن نسقط الرحمة من قاموسنا، ونجعل من كل اختلاف معركة، وفي زمن تتسع فيه المنابر وتتسارع فيه الأحكام، يبقى أهم ما يحفظ المجتمع: عقل يزن، ولسان يضبط، وضمير ينصف، ولا نسلم الوعي لمن يصنع الضجيج، ويحترف إلغاء الغير؛ فالعقلاء يبنون الوعي بالعدل والبيان، لا بنبش الماضي، ولا بتسليم المجتمع لمن يحسن الإثارة أكثر مما يحسن الإنصاف، أو لمن يفتح إحدى عينيه على ما يريد، ويغمض الأخرى، وكأنها عمياء لا ترى.