أكثر من 9 تريليونات دولار تحت المجهر
الخميس - 22 يناير 2026
Thu - 22 Jan 2026
عزيزي القارئ، تخيل أن قطاع علوم الحياة في العالم بكل ما فيه من شركات أدوية، وأجهزة طبية، ومعامل، وتقنية حيوية، وتقنيات رقمية يساوي في قيمته تقريبا اقتصاد دول كبرى؛ فالقيمة التقديرية لهذا القطاع تصل إلى نحو أكثر من 9 تريليونات دولار.
لو نظرنا إلى خريطة القيمة السوقية داخل هذا القطاع، سنجد أن شركات الأدوية التجارية تقود المشهد بأكثر من 6 تريليونات دولار تقريبا من القيمة.
يليها قطاع الأجهزة الطبية بما يزيد عن 1.8 تريليون دولار، ثم شركات أدوات علوم الحياة بحوالي نصف تريليون. وإلى جوار هذه القطاعات توجد شركات أخرى مثل مقدمي خدمات التصنيع الدوائي التعاقدي (CDMO)، وشركات المواد الفعالة (API)، وشركات التشخيص، والمنتجات التي تباع مباشرة للمستهلك (OTC)، وخدمات الصناعات الدوائية، وأخيرا شركات تقنيات المعلومات الصحية، وهي الأقل عددا لكنها من الأسرع نموا.
في قلب هذه الصورة كان قطاع التقنية الحيوية (البيوتك) الخاسر الأبرز هذا الأسبوع. وهذا ليس غريبا إذا عرفنا طبيعة هذا القطاع؛ فشركات البيوتك غالبا ما تصرف مبالغ ضخمة على الأبحاث والتجارب السريرية لسنوات طويلة من دون أن يكون لديها منتج جاهز للبيع. أي توتر في الأسواق أو ارتفاع في أسعار الفائدة يجعل المستثمرين أقل استعدادا لتحمل هذا النوع من المخاطرة بعيدة المدى، فيبدأون بتقليص استثماراتهم في شركات المراحل السريرية أو ما قبل السريرية، فتتراجع الأسعار، ليس لأن العلم تغير في شهر واحد أو أكثر، بل لأن "شهية المخاطرة" لدى المستثمر تتغير من وقت إلى آخر.
منطق مشابه ينطبق على قطاع أدوات علوم الحياة. هذا القطاع يزود المختبرات وشركات الأدوية والجامعات بالأجهزة، والمواد الكيميائية، والكواشف، والخدمات البحثية. خلال فترة جائحة كوفيد-19، استفادت هذه الشركات كثيرا من طفرة الإنفاق على التشخيص والبحث العلمي، لكن بعد انتهاء الذروة، بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها، مع ضغوط على ميزانيات الجامعات وبعض شركات الأدوية، وتأجيل شراء أجهزة جديدة أو تقليص عدد المشاريع البحثية. لذلك أصبحت إيرادات شركات الأدوات أكثر حساسية لدورات الإنفاق العلمي، وأصبحت أسهمها أكثر تقلبا، وهو ما يفسر أنها كانت ضمن أكثر الأجزاء تراجعا خلال الأسبوع الماضي بجانب البيوتك.
في الجهة المقابلة، كان أداء قطاع تقنيات المعلومات الصحية (Healthcare IT) إيجابيا، حيث ارتفعت أسعاره في الوقت الذي تراجعت فيه بقية أجزاء المنظومة أو استقرت. هذا يعكس إيمانا متزايدا بأن الرقمنة في الرعاية الصحية ليست "موضة عابرة"، بل اتجاه طويل المدى. الشركات التي تطور أنظمة السجلات الطبية الالكترونية، ومنصات تحليل البيانات السريرية، وحلول الذكاء الاصطناعي للتشخيص أو إدارة المستشفيات، تستند غالبا إلى نموذج أعمال يعتمد على الاشتراكات والعقود المستمرة، أكثر من اعتماده على نجاح دواء واحد أو جهاز واحد. كما أن حاجتها لرأس المال أقل من حاجة شركة تطور دواء جديد من الصفر، وهذا يجعلها أكثر جاذبية في أوقات عدم اليقين. صحيح أن القيمة الإجمالية لهذا القطاع لا تزال في حدود عشرات المليارات فقط مقارنة بالتريليونات في الأدوية والأجهزة، لكنها تنمو بسرعة، ومع موجة الاهتمام العالمية بالذكاء الاصطناعي الطبي والطب عن بعد، قد تصبح من أسرع القطاعات توسعا خلال السنوات المقبلة.
بين طرفي هذه المعادلة، البيوتك عالية المخاطر وتقنيات المعلومات الصحية الصاعدة، تقف شركات الأدوية التجارية وخدمات الصناعات الدوائية في منطقة "وسط" أكثر هدوءا. شركات الأدوية التجارية تمتلك محافظ معروفة من الأدوية، ومبيعات شبه مستقرة، وتدفقات نقدية يمكن توقعها نسبيا، وتستفيد من الطلب اليومي على أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري، وضغط الدم، والسرطان. لذلك تتحرك أسعار أسهمها عادة بهدوء، وينظر إليها كخيار "دفاعي" يلجأ إليه المستثمر في فترات التقلب. هذا ما رأيناه هذا الأسبوع: أداء شبه مسطح، لا صعود قوي مثل تقنيات المعلومات الصحية، ولا هبوط حاد مثل البيوتك والأدوات.
أما خدمات الصناعات الدوائية، مثل الأبحاث التعاقدية، ودراسات الوصول إلى السوق، والاستشارات التسويقية، فهي تعيش على الطلب القادم من شركات الأدوية والبيوتك. عندما تتردد هذه الشركات في زيادة استثماراتها البحثية، لا يختفي الطلب على الخدمات بالكامل، لكنه لا ينمو بقفزات كبيرة. لذلك رأينا أداء أقرب إلى الحياد في أسهم هذه الشركات أيضا.
في النهاية عزيزي القارئ، قيمة 9.9 تريليونات دولار ليست مجرد رقم ضخم، بل هي مرآة تعكس تفاعل العلم مع رأس المال، وتفتح لنا نافذة لفهم كيف يعاد تشكيل مستقبل الابتكار الصحي في العالم، ومن أين قد تأتي الموجة المقبلة من التقدم الطبي.
nabilalhakamy@
لو نظرنا إلى خريطة القيمة السوقية داخل هذا القطاع، سنجد أن شركات الأدوية التجارية تقود المشهد بأكثر من 6 تريليونات دولار تقريبا من القيمة.
يليها قطاع الأجهزة الطبية بما يزيد عن 1.8 تريليون دولار، ثم شركات أدوات علوم الحياة بحوالي نصف تريليون. وإلى جوار هذه القطاعات توجد شركات أخرى مثل مقدمي خدمات التصنيع الدوائي التعاقدي (CDMO)، وشركات المواد الفعالة (API)، وشركات التشخيص، والمنتجات التي تباع مباشرة للمستهلك (OTC)، وخدمات الصناعات الدوائية، وأخيرا شركات تقنيات المعلومات الصحية، وهي الأقل عددا لكنها من الأسرع نموا.
في قلب هذه الصورة كان قطاع التقنية الحيوية (البيوتك) الخاسر الأبرز هذا الأسبوع. وهذا ليس غريبا إذا عرفنا طبيعة هذا القطاع؛ فشركات البيوتك غالبا ما تصرف مبالغ ضخمة على الأبحاث والتجارب السريرية لسنوات طويلة من دون أن يكون لديها منتج جاهز للبيع. أي توتر في الأسواق أو ارتفاع في أسعار الفائدة يجعل المستثمرين أقل استعدادا لتحمل هذا النوع من المخاطرة بعيدة المدى، فيبدأون بتقليص استثماراتهم في شركات المراحل السريرية أو ما قبل السريرية، فتتراجع الأسعار، ليس لأن العلم تغير في شهر واحد أو أكثر، بل لأن "شهية المخاطرة" لدى المستثمر تتغير من وقت إلى آخر.
منطق مشابه ينطبق على قطاع أدوات علوم الحياة. هذا القطاع يزود المختبرات وشركات الأدوية والجامعات بالأجهزة، والمواد الكيميائية، والكواشف، والخدمات البحثية. خلال فترة جائحة كوفيد-19، استفادت هذه الشركات كثيرا من طفرة الإنفاق على التشخيص والبحث العلمي، لكن بعد انتهاء الذروة، بدأت الأمور تعود إلى طبيعتها، مع ضغوط على ميزانيات الجامعات وبعض شركات الأدوية، وتأجيل شراء أجهزة جديدة أو تقليص عدد المشاريع البحثية. لذلك أصبحت إيرادات شركات الأدوات أكثر حساسية لدورات الإنفاق العلمي، وأصبحت أسهمها أكثر تقلبا، وهو ما يفسر أنها كانت ضمن أكثر الأجزاء تراجعا خلال الأسبوع الماضي بجانب البيوتك.
في الجهة المقابلة، كان أداء قطاع تقنيات المعلومات الصحية (Healthcare IT) إيجابيا، حيث ارتفعت أسعاره في الوقت الذي تراجعت فيه بقية أجزاء المنظومة أو استقرت. هذا يعكس إيمانا متزايدا بأن الرقمنة في الرعاية الصحية ليست "موضة عابرة"، بل اتجاه طويل المدى. الشركات التي تطور أنظمة السجلات الطبية الالكترونية، ومنصات تحليل البيانات السريرية، وحلول الذكاء الاصطناعي للتشخيص أو إدارة المستشفيات، تستند غالبا إلى نموذج أعمال يعتمد على الاشتراكات والعقود المستمرة، أكثر من اعتماده على نجاح دواء واحد أو جهاز واحد. كما أن حاجتها لرأس المال أقل من حاجة شركة تطور دواء جديد من الصفر، وهذا يجعلها أكثر جاذبية في أوقات عدم اليقين. صحيح أن القيمة الإجمالية لهذا القطاع لا تزال في حدود عشرات المليارات فقط مقارنة بالتريليونات في الأدوية والأجهزة، لكنها تنمو بسرعة، ومع موجة الاهتمام العالمية بالذكاء الاصطناعي الطبي والطب عن بعد، قد تصبح من أسرع القطاعات توسعا خلال السنوات المقبلة.
بين طرفي هذه المعادلة، البيوتك عالية المخاطر وتقنيات المعلومات الصحية الصاعدة، تقف شركات الأدوية التجارية وخدمات الصناعات الدوائية في منطقة "وسط" أكثر هدوءا. شركات الأدوية التجارية تمتلك محافظ معروفة من الأدوية، ومبيعات شبه مستقرة، وتدفقات نقدية يمكن توقعها نسبيا، وتستفيد من الطلب اليومي على أدوية الأمراض المزمنة مثل السكري، وضغط الدم، والسرطان. لذلك تتحرك أسعار أسهمها عادة بهدوء، وينظر إليها كخيار "دفاعي" يلجأ إليه المستثمر في فترات التقلب. هذا ما رأيناه هذا الأسبوع: أداء شبه مسطح، لا صعود قوي مثل تقنيات المعلومات الصحية، ولا هبوط حاد مثل البيوتك والأدوات.
أما خدمات الصناعات الدوائية، مثل الأبحاث التعاقدية، ودراسات الوصول إلى السوق، والاستشارات التسويقية، فهي تعيش على الطلب القادم من شركات الأدوية والبيوتك. عندما تتردد هذه الشركات في زيادة استثماراتها البحثية، لا يختفي الطلب على الخدمات بالكامل، لكنه لا ينمو بقفزات كبيرة. لذلك رأينا أداء أقرب إلى الحياد في أسهم هذه الشركات أيضا.
في النهاية عزيزي القارئ، قيمة 9.9 تريليونات دولار ليست مجرد رقم ضخم، بل هي مرآة تعكس تفاعل العلم مع رأس المال، وتفتح لنا نافذة لفهم كيف يعاد تشكيل مستقبل الابتكار الصحي في العالم، ومن أين قد تأتي الموجة المقبلة من التقدم الطبي.
nabilalhakamy@