سفهاء التواصل الاجتماعي: آفة العصر الرقمي الحالي
الاثنين - 19 يناير 2026
Mon - 19 Jan 2026
لم يعد «السفيه» في عصرنا الحالي مجرد شخص يعرف في محيطه الضيق بتبذير ماله أو بذاءة لسانه، بل أصبحنا نراه يقتحم هواتفنا وعقولنا عبر شاشات وسائل التواصل الاجتماعي، متدثرا بعباءة «المحتوى» أو «الرأي الحر». إن هذه الجرأة على القيم، وهذا الطيش في التعامل مع الحقائق، يضعانا أمام ضرورة ملحة لاستعادة الفهم الحقيقي لمفهوم «السفاهة» في لغتنا وشريعتنا، وكيف صنفها علم النفس كاضطراب في السلوك والتقدير.
السفاهة في ميزان اللغة والشرع
تبدأ السفاهة في أصلها اللغوي من «الخفة والاضطراب»؛ فالعرب تصف الريح إذا حركت الشجر بقوة بأنها «تسفهت الشجر»، مما يوحي بفقدان الرزانة والوقار. أما في ميزان الشريعة الغراء، فقد أخذت السفاهة بعدا عمليا يرتبط بالرشد؛ فالسفيه هو من يبدد ماله في غير مصلحة، أو يتصرف في شؤونه بخلاف مقتضى العقل والشرع، ولذا شرع الإسلام «الحجر» كإجراء وقائي لحماية الفرد والمجتمع من تبعات هذا الطيش.
الفرق بين الجاهل والسفيه: تمايز في الجوهر
كثيرا ما يخلط الناس بين الجهل والسفاهة، إلا أن الفرق بينهما جوهري. الجاهل هو من يفتقر للمعلومة، وعلاجه في التعليم وصبر المعلم. أما السفيه، فقد يمتلك العلم والمعلومة، لكنه يفتقد الحكمة في وضعها في موضعها الصحيح. الجاهل قد يتبع الحق إذا تبين له، أما السفيه فقد يرفضه كبرا أو خفة. لذا، فإن الجاهل يُعذر ويُعلم، بينما السفيه يُحذر ويُعرض عنه.
السفاهة في مرآة علم النفس الحديث
لا يقف مفهوم السفاهة عند حدود التراث، بل نجد له صدى واسعا في علم النفس المعاصر تحت مسميات «الاندفاعية» أو «ضعف الوظائف التنفيذية». يفسر العلم الحديث خفة العقل بأنها خلل في قدرة الفرد على كبح الجماح وتقييم العواقب طويلة المدى، حيث يعيش السفيه لذة اللحظة (سواء كانت إنفاقا متهورا أو شتيمة عابرة) دون إدراك للضرر اللاحق.
كما يتجلى «السفيه الفكري» بوضوح فيما يعرف بـ «تأثير دانينغ-كروجر»، وهو الانحياز المعرفي الذي يدفع ذوي القدرات المحدودة إلى المبالغة في تقدير ذكائهم، فتراهم يجادلون في أعقد المسائل العلمية والسياسية بجرأة تنم عن جهل مركب.
عندما يمنح (الإعجاب) صوتا للطيش
لقد انتقلت السفاهة من مجالس الضيق إلى فضاءات وسائل التواصل الاجتماعي الرحبة، حيث تحول السفيه من فرد معزول إلى (مؤثر) يتابعه الملايين. إن ظاهرة «مشاهير الغفلة» الذين يقدمون محتوى تافها أو يثيرون النعرات، هي التطبيق المعاصر لتعريف السفاهة لغة وعملا؛ فهي خفة في العقل والقول، وابتذال للمبادئ من أجل زر (الإعجاب) وشهرة زائفة. إن مواجهة هؤلاء لا تكون بمتابعتهم أو الرد عليهم، بل بالتجاهل الرقمي، فالسفيه يحيا بالانتباه ويموت بالإهمال.
استراتيجيات التعامل مع السفهاء: كيف نحمي أنفسنا؟
إن التعامل مع السفيه في بيئة العمل أو الفضاء الرقمي يتطلب مهارة «الإعراض الذكي». فالسفيه يستمد قوته من رد فعلك، ويقتات على إثارة الفوضى. ولحماية سلامتنا النفسية، ينصح الخبراء بتبني الاستراتيجيات التالية:
- قاعدة الصمت المترفع: كما ورد في الأثر «السكوت عن السفيه جواب»، فعدم المجاراة هو أقصى عقوبة يمكن توجيهها له.
- تقنية «الصخرة الرمادية»: وهي جعل ردود أفعالك مملة ومحايدة تماما مع الشخصيات المستفزة، مما يدفع السفيه للبحث عن ضحية أخرى.
- رسم الحدود الصارمة: لا تسمح للسفيه بتجاوز مساحتك الشخصية أو استنزاف وقتك في نقاشات عقيمة لا تنتهي لنتيجة.
aabankhar@