عبداللطيف محمد الحميدان

الزمن في منطقة الشرق الأوسط يسرق من شعوبها

الاثنين - 19 يناير 2026

Mon - 19 Jan 2026


ليس أخطر ما يحدث في الشرق الأوسط هو ما نراه في نشرات الأخبار بل ما لا يرى. بينما تنشغل العواصم بالحروب والحدود والتحالفات هناك نزيف بطيء يجري بلا صوت. فالزمن نفسه يسرق من المنطقة.

ليس عبر القنابل بل عبر إفراغ المجتمعات من شبابها وتحويل الزيادة السكانية إلى عبء ودفع العقول للهجرة وترك الأجيال القادمة بلا أفق واضح في كثير من دول المنطقة.

وفي الشرق الأوسط لا يدار الصراع فقط على الأرض بل على من سيبقى حيا وفاعلا بعد عشرين عاما. بمعنى من سيعمل، من سيبتكر، من سيدافع، ومن سيترك خارج المعادلة؟ وهذه ليست أسئلة اجتماعية بريئة بل أسئلة أمن قومي مؤجلة.

فالدول لا تسقط دائما عندما تهزم عسكريا بل عندما تصل إلى لحظة يصبح فيها الزمن ضدها. شباب بلا أمل، شيخوخة بلا إنتاج، مدن تفرغ من كفاءاتها بهدوء قاتل. وحين يكتشف الخلل ربما يكون الوقت قد انتهى.

وهذه ليست نظرية مؤامرة بل حرب صامتة تدار ببطء شديد، حرب لا تطلق فيها رصاصة واحدة لكنها قد تحسم مستقبل الشرق الأوسط كله.

في هذه الحرب الصامتة لا تقاس الخسائر بعدد الضحايا ولا بحجم الدمار، فهي تقاس بما يتسرب من السنوات بلا معنى وبأجيال تدخل المجال العام وهي منهكة قبل أن تبدأ.

وهنا لا يهزم المجتمع بضربة واحدة بل يستنزف تدريجيا حتى يفقد قدرته على الحلم ثم على الفعل ثم على الصمود الهادئ.

والزمن في المنطقة لا يتحرك إلى الأمام بقدر ما يدور حول نفسه. لأن سياسات قصيرة النفس تواجه تحديات طويلة الأمد. نظرا لأن هناك قرارات تدار بمنطق اللحظة أمام تحولات تحتاج إلى أفق ممتد. وبين هذا وذاك تتآكل المسافة بين الإمكان والواقع حتى يصبح الفارق موجعا وصعب الإنكار.

والمفارقة العجيبة أن الشرق الأوسط يوصف بأنه شاب لكنه يعيش حالة شيخوخة سياسية مبكرة. لأن هناك أفكارا تعاد، وأدوات تستنزف، وخطابا عاما يكرر نفسه بينما المجتمعات تتغير من تحته. والشباب حاضرون في الأرقام وغائبون في صناعة القرار، وموجودون في الشارع ومغيبون في الرؤى في كثير من دول المنطقة. علما بأن هذا الغياب لا يخلق فراغا فقط بل يزرع شعورا عميقا بالانفصال عن المستقبل.

والهجرة في هذا السياق ليست مجرد انتقال جغرافي بل تصدع صامت في العقد غير المكتوب بين الفرد والمكان.

حين يشعر الإنسان أن سنواته القادمة لن تكون أفضل من سنواته الماضية يصبح الزمن عبئا شخصيا لا فرصة جماعية. وحين يتحول الأمل إلى وعد مؤجل يفقد الوطن قدرته على الاحتفاظ بطاقته البشرية.

والأخطر أن هذا النزيف لا يقابل دائما بالإنكار بل أحيانا بالتكيف. حيث تدار المجتمعات لا بوصفها مشاريع مستقبل بل ملفات يجب ضبطها.

ويختزل الاستقرار في إدارة اللحظة لا في بناء الغد. وهكذا يصبح الزمن خصما داخليا لا حليفا استراتيجيا.

وفي المقابل تتحرك قوى أخرى وهي تدرك أن الصراع الحقيقي لا يدور على الموارد وحدها بل على القدرة على الصبر والتراكم، تراكم المعرفة، تراكم الثقة، تراكم الزمن المنتج.

وهذه القوى لا تستعجل النتائج لأنها تعرف أن من يملك المستقبل لا يحتاج إلى ضجيج الحاضر.

والشرق الأوسط لا يفتقر إلى الإمكانات. بل يفتقر إلى إدارة الزمن.

وما لم يتحول الزمن من عنصر مستهلك إلى رصيد واع ستظل المنطقة عالقة بين ما تستطيع أن تكونه وما يسمح لها بأن تكونه.

فهذه الحرب الصامتة لا تحتاج إلى إعلان. لأنها جارية بالفعل.
ومن لا ينتبه إليها اليوم قد يكتشف غدا أن الزمن لم يعد في صفه.
ووسط هذا المشهد الذي يستنزف فيه الزمن بصمت، تبرز تجربة اختارت أن تواجه السؤال المؤجل بدل الهروب منه.

ففي المملكة العربية السعودية لا ينظر إلى الزمن كعبء يجب احتواؤه ولا كخطر يجب إدارته بل كعنصر حاسم في معادلة البقاء والتقدم. لأنه من خلال رؤيتها 2030 بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان يجري التعامل مع المستقبل بوصفه ساحة فعل لا مساحة انتظار.

وهنا لا يستهلك الحاضر حتى الإنهاك ثم يترك الغد غامضا. بل يعاد بناء العلاقة مع الزمن من جذورها. استثمار في الإنسان قبل البنية. تمكين للطاقة الشابة قبل استنزافها. وتحويل الطموح من خطاب إلى مسار زمني واضح المعالم.

وما يجري ليس سباقا مع الوقت بل استعادة له. لأنها محاولة واعية لتحويل الزمن من عنصر مستهلك إلى عنصر واع، ومن عامل ضغط إلى رصيد استراتيجي، في منطقة دفعت ثمنا باهظا لسوء إدارة الزمن، حيث تمثل هذه المقاربة خروجا هادئا من منطق التأجيل المزمن.

وبهذا المعنى لا تقدم المملكة نموذجا تنمويا فحسب بل تطرح إجابة سياسية عميقة على سؤال المرحلة: كيف يمكن لدولة أن تستبق التآكل قبل أن يتحول إلى أزمة؟ وكيف يمكن للزمن أن يصبح حليفا حين يدار برؤية لا بردة فعل؟

وفي عالم تتغير موازينه ببطء فإن من ينجح في استعادة الزمن لا يغير مستقبله وحده، بل يعيد تعريف الممكن في إقليم بأكمله وهذا ما تفعله المملكة.

alatif1969@