الدول ليست سواء: من الأدوار الهامشية إلى الدولة المحورية... ولماذا تتصدر السعودية توازنات الشرق والغرب
الاثنين - 19 يناير 2026
Mon - 19 Jan 2026
في السياسة، لا تقاس الدول بما تملكه من شعارات أو بما تروجه من خطابات، بل بقدرتها على الفعل، وحسن إدارتها للقوة، ودقة قراءتها لموازين العالم. هذه الحقيقة تشكل المدخل لفهم أنواع الدول في النظام الدولي، ولماذا تنجح بعض الدول في تثبيت مكانتها، بينما تبقى أخرى عالقة في أدوار هامشية مهما ارتفع صوتها أو تضاعفت مواردها.
يمكن تصنيف الدول سياسيا إلى أنماط واضحة، لا تحكمها الجغرافيا وحدها ولا حجم السكان فقط، بل طبيعة القرار، وعمق الرؤية، ونوعية الأدوات المستخدمة. أول هذه الأنواع هي الدول الوظيفية. وهي دول تؤدي أدوارا محددة داخل منظومات أكبر منها. قد تمتلك موقعا جغرافيا حساسا أو موردا طبيعيا مهما، لكنها تفتقر إلى القرار السيادي المستقل. تتحرك داخل هوامش مرسومة، وتستدعى عند الحاجة، ثم تعود إلى الظل. هذه الدول نادرا ما تصنع السياسة، بل تنفذها، وغالبا ما تفاجأ بنتائج لم تكن جزءا من حساباتها.
النوع الثاني هو الدول الإقليمية المحدودة، وهي دول تمتلك هامش قرار أوسع، وتؤثر في محيطها القريب، لكنها تصطدم دائما بسقف دولي لا تستطيع تجاوزه. قد تنجح في إدارة ملفات أمنية أو اقتصادية محلية، لكنها تفشل عندما تحاول الانتقال إلى مستوى أوسع. هذه الدول تعيش حالة طموح دائم، لكنها تفتقر إلى الأدوات المركبة التي تسمح لها بتحويل الطموح إلى نفوذ مستدام.
في المقابل، هناك الدول التأثيرية، وهي دول تدرك وزنها الحقيقي، وتتحرك بناء عليه. تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تكتفي بالسياسة، ومتى تمزج بين الاقتصاد والدبلوماسية. هذه الدول لا تبحث عن أدوار، بل تفرض عليها الأدوار بحكم ثقلها. لا تتورط في مغامرات غير محسوبة، ولا تدار بعقلية رد الفعل، بل بمنطق التوقيت، والتراكم، وإدارة المخاطر.
وهناك أيضا الدول المربكة، وهي دول تختزل سياستها في الابتزاز، وتراهن على الغموض، وتدير علاقاتها بمنطق الملفات المغلقة والصفقات غير المعلنة. قد تبدو نشطة إعلاميا، لكنها تفتقر إلى ثقة الشركاء، وتعاني من هشاشة داخلية تجعل نفوذها مؤقتا وقابلا للانهيار عند أول اختبار حقيقي. هذا النمط غالبا ما يدفع ثمنا باهظا نتيجة سوء تقدير الوزن الحقيقي والخلط بين الضجيج والقوة.
وأخيرا، هناك الدول المحورية، وهي أقل عددا، وأكثر تأثيرا. دول لا يفهم الشرق أو الغرب دونها، ولا تستقر التوازنات الإقليمية إلا بحضورها. هذه الدول تجمع بين الشرعية الداخلية، والقدرة الاقتصادية، والوزن السياسي، والقبول الدولي. الأهم أنها تدير سياستها بعقل بارد، وتفصل بين التكتيك والهدف الاستراتيجي، وتقرأ العالم كما هو، لا كما تتمنى أن يكون.
في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجا متقدما للدولة المحورية. ليس بسبب ثقلها النفطي فقط، ولا لمكانتها الدينية فحسب، بل لطبيعة قرارها السياسي، وقدرتها على التحرك بين الشرق والغرب دون ارتهان، ودون قطيعة. السعودية لا تلعب على التناقضات الدولية، بل تديرها. لا تضع نفسها في معسكر مغلق، ولا تساوم على مصالحها العليا مقابل تحالفات عابرة.
تاريخيا، أدركت السعودية أن الاستقرار ليس شعارا، بل سياسة طويلة النفس، لذلك بنت علاقاتها الدولية على التوازن، لا الاستقطاب، وعلى الشراكة، لا التبعية. في زمن الحرب الباردة، حافظت على استقلال قرارها. وفي مرحلة الأحادية القطبية، لم تنجرف خلف أوهام الهيمنة. واليوم، في عالم متعدد الأقطاب، تتحرك بثقة وتعيد تعريف دورها وفق متغيرات الواقع، لا ضغوط اللحظة.
قوة السعودية الحقيقية تكمن في أنها تجمع بين عناصر نادرا ما تجتمع في دولة واحدة في الشرق الأوسط: استقرار داخلي، شرعية سياسية، ثقل اقتصادي، موقع جيوسياسي، وقدرة على التأثير في أسواق الطاقة، إضافة إلى حضور دبلوماسي متزن. هذا المزيج يجعلها رقما صعبا في أي معادلة إقليمية أو دولية.
كما أن السعودية، بخلاف كثير من الدول، لا تختزل قوتها في الأدوات الصلبة فقط، ولا تفرط في استخدام القوة الناعمة دون غطاء واقعي. هي دولة تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتحرك. وهذا ما يجعلها قوة لا تقارن في الشرق الأوسط، لا من حيث الاستقرار، ولا من حيث القدرة على إدارة التحولات، ولا من حيث التأثير طويل المدى.
الخلاصة، الدول لا تتساوى في النظام الدولي، مهما تشابهت أعلامها أو خطاباتها. ما يحدد المكانة هو فهم الذات، وفهم العالم، والقدرة على الربط بينهما بقرار سيادي واع. والسعودية اليوم ليست مجرد دولة مؤثرة، بل دولة محورية في التوازنات السياسية بين الشرق والغرب، وقوة مركزية أعادت تعريف معنى الثقل السياسي في منطقة اعتادت على الاضطراب أكثر من الاستقرار.
mr_alshammeri@