مصلح معيض مصلح

حتى يكون الاحتفال باللغة العربية بالممارسة والتطبيق

الاثنين - 19 يناير 2026

Mon - 19 Jan 2026


بعد اعتماد اليونسكو عام 2012 الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من ديسمبر سنويا، ظهرت بعض الاحتفالات السنوية المحدودة بهذا اليوم في وسائل الإعلام، وفي الأندية الأدبية، والمراكز الثقافية، وأقسام اللغة العربية في الجامعات؛ وآخرها احتفالات ديسمبر الماضي، إلا أن هذه الاحتفالات لم تتجاوز التجمعات الشكلية واللقاءات النخبوية دون أن يكون لها مخرجات يمكن أن تؤثر في تصحيح مسار التعامل مع اللغة العربية في الحياة اليومية.

إن ما يجب قوله والتأكيد عليه أن الاحتفال الحقيقي باللغة العربية لا يكون فقط بإقامة الندوات واللقاءات التي لا يتعدى تأثيرها الصالات التي تقام فيها هذه الفعاليات في يوم واحد من السنة، ولا يمتد تأثيرها إلى أماكن استخدام اللغة العربية وفي مقدمتها الشارع الذي يحمل الكثير من الأسماء الأجنبية التي تشكل صورة اللغة ومفرداتها لدى الناشئة والشباب، وتنطبع في الذاكرة مع مرور الزمن؛ وهي بعيدة كل البعد عن مفردات اللغة العربية السليمة. الاحتفال الحقيقي يتمثل في الاستخدام السليم لمفردات اللغة العربية في كل المجالات: التجارية، والثقافية، والاجتماعية، والطبية التي دخلتها الكثير من الأسماء والمفردات الأجنبية دونما ضرورة، لذلك ودون تنقيتها من هذه الشوائب بالترجمة السليمة والتعريب المناسب.

الاحتفال باللغة العربية يجب أن تبدأ به وسائل الإعلام عمليا - وليس باستعراض اليوم العالمي للغة العربية كخبر من ضمن الأخبار - من خلال التركيز على استخدام الكلمات العربية الفصيحة والمعربة، والابتعاد عن الكلمات الأجنبية التي غزت وسائل الإعلام، وتلقفتها هذه الوسائل دون ترو، ودون الاهتمام بالبحث فيما يقابلها من كلمات عربية ومعربة، وهذا لن يتحقق دون التركيز على التأهيل العالي للإعلاميين في اللغة العربية الذين ظهر اللحن في كلام غالبيتهم خلال العقود الأخيرة.

الوضع الحالي في وسائل الإعلام يكشف أن هذه الوسائل أو معظمها تتبنى ما يأتي في وسائل الإعلام الأجنبية وخاصة الإنجليزية من كلمات وعبارات في المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية؛ ونقلها كما هي وأحيانا ترجمتها حرفيا، فمن العبارات التي أصبح استخدامها واسعا في نقل وقائع النزاعات والحروب عبارة خفض التصعيد؛ وهي ترجمة حرفية لكلمة (De-escalation) مع أن بالإمكان استخدام كلمة عربية أفضل من هذه العبارة مثل كلمة التهدئة، وهذا مثال للكثير من العبارات والكلمات والمصطلحات الأجنبية غير الضرورية التي تغلغلت في وسائل الإعلام.

وزارة التجارة كمسؤولة عن تسمية الأسواق والمحال التجارية والمطاعم والمقاهي؛ وهي الأكثر انتشارا والأقوى تأثيرا على مفردات اللغة، يجب أن تلتفت إلى أهمية اللغة العربية ومفرداتها الفصيحة وتقود هذا الاتجاه؛ فهي من الوزارات التي سمحت أو تغاضت عن الأسماء الأجنبية التي اكتسحت المحال التجارية والمقاهي والمطاعم؛ وفي مقدمتها المجمعات التجارية التي أصبح اسمها (مولات) في كل أنحاء المملكة، وهذا قد ألقى ظلاله على ألسنة الناس، وصار الكل يستخدمون كلمة (مول)، ولم نعد نسمع أحدا يقول مجمع مع أن بالإمكان كتابة أسماء هذه المجمعات باللغة العربية السليمة وتحتها الاسم باللغة الإنجليزية، فمن غير المقبول أن يكون لدينا العشرات من المجمعات التجارية متنكرة للغة العربية مثل (بانومراما مول) و(بارك أفينيو مول) وغيرهما كثير.

كذلك وزارة الصحة مطلوب منها الاحتفال باللغة العربية؛ واحتفالها يكون في عدم السماح باستخدام أسماء أجنبية مكتوبة بالحروف العربية لمنشآتها الصحية بمستوياتها كافة، ومن يتابع أسماء المراكز الصحية الخاصة بطب الأسنان على سبيل المثال يتعجب من انتشار الأسماء الأجنبية فيها بشكل مخل لا يمكن قبوله، ونستغرب كيف وصل الحال بالوزارة أن تسمح بأسماء مثل (دينتست) و(دنتيرا) و(دنت)، و(سمايل كير)، والقائمة تطول. إن على وزارة الصحة مسؤولية وطنية كبيرة مما يحتم عليها مراجعة هذه الأسماء واستبدالها بأسماء عربية؛ فمسؤوليتها لا تقف عند مراقبة عمل هذه المنشآت والإشراف عليها.

أيضا العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة الأخرى عليها أن تشارك فعليا بالاحتفال باللغة العربية من خلال تبني اللغة الفصحى في كل تعاملاتها، والابتعاد عن استخدام المصطلحات الأجنبية، وهي ظاهرة في هذه المؤسسات دون ترجمة أو تعريب؛ ونكتفي هنا بمثال واحد وهو مصطلح (الأمن السيبراني) الذي شاع استخدامه على نطاق واسع مأخوذا بشكل مباشر من الكلمة الإنجليزية المركبة (Cybersecurity)، مع أن ترجمة هذا المصطلح ونعني كلمة (سيبراني) ممكنة دون أخذ الاسم الأجنبي بهذه الطريقة البعيدة عن الترجمة والتعريب، ويمكن ترجمته بـ (أمن الأنظمة والشبكات) فهو أوضح وأشمل ويعبر عن مفردات عربية أصيلة؛ بالإضافة إلى أن كلمة (سيبراني) ثقيلة على اللسان العربي لغرابة بنيتها وتكوينها ككلمة أجنبية.

أقسام اللغة العربية في جامعات المملكة التي لا تخلو منها جامعة تعيش متقوقعة داخل الحرم الجامعي، ولا تأبه بما يجري للغة العربية في المنشآت والمرافق العامة والشوارع، ولا يعنيها ما تعانيه اللغة العربية خارجها حتى داخل الجامعة، مع أن متابعة مسارات التعامل مع اللغة العربية، وما يلحق بها من تجاوزات وأخطاء ورصدها والتواصل من أجلها مع الجهات المسؤولة؛ كل ذلك يأتي في صميم مهامها كأقسام أكاديمية، أما أن يبقى الحال كما هو عليه الآن في إلقاء المحاضرات والندوات فقط بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية؛ فهذا لا يتفق مع رسالة أقسام اللغة العربية في الجامعات، ومن العجائب التي تقع في هذه المحاضرات والندوات تجرؤ بعض أساتذة اللغة العربية على استخدام كلمات إنجليزية من باب التظاهر بمعرفتها وهم يحتفلون باليوم العالمي للغة العربية، مما يجعلنا نتساءل هل نحن أمام هزيمة ثقافية؟

إن تبني استخدام اللغة العربية الفصحى في جميع الميادين الرسمية والعامة يتناسب مع مكانة المملكة، بل إن مكانتها تتطلب ذلك ليس كونها دولة عربية فحسب بل لكونها دولة حاضنة للحرمين الشريفين، وكدولة كبيرة تشكل معظم مساحة جزيرة العرب، والاهتمام بهذا المسار سيؤكد مكانتها كمرجعية دينية وثقافية ولغوية في العالمين العربي والإسلامي، ويعزز قوتها الناعمة، وتبني استخدام مفردات اللغة العربية الصحيحة مسألة في غاية السهولة وذلك بالاستعانة بالمتخصصين وهم كثر، وبما تقدمه مجمعات اللغة العربية العديدة في هذا المجال. ومما ينبغي التذكير به في هذا المقام أن المملكة كانت ضمن الدول العربية التي طالبت اليونسكو باعتماد اليوم العالمي للغة العربية.

moslehmoied@