مآلات الحرب الأمريكية الإيرانية الثانية
الأحد - 18 يناير 2026
Sun - 18 Jan 2026
استغرقت الحرب الأولى بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي اثني عشر يوما لم يحقق فيها التحالف نتائج حاسمة بالرغم من اغتياله لعدد غير بسيط من قادة القوات المسلحة الإيرانية، وتحكمه وسيطرته على كامل الأجواء، وتحييد كل المضادات الأرضية، علاوة على ما كان يمتلكه من عناصر استخبارية على الأرض، ومع ذلك فلم تتوقف الصواريخ الإيرانية عن استهداف تل أبيب وحيفا وغيرها، وحتما فقد كان لها تأثيرها الكبير وإن عملت إسرائيل على إخفاء ذلك، على أن المهم هو فشل القبة الحديدية في منع وصول تلك الصواريخ إلى أهدافها.
كل ذلك معروف للمراقبين، وحتما فالخبراء العسكريون يملكون معرفة أدق من حيث حجم الأضرار التي لحقت بإسرائيل، وهو ما دعا التحالف الأمريكي إلى الركون لوقف إطلاق النار في وقته. والسؤال: هل تغير شيء في المعطيات الحالية ليهدد الرئيس ترامب بخوض غمار الحرب من جديد؟
في تصوري فإن الإجابة واضحة لكل المراقبين، فالمعطيات السياسية لم تتغير، كما حتما قد أعادت إيران تحديث منظومتها العسكرية والاستخبارية، وكما يقال فإن الضربة التي لا تقتل تزيد الطرف المستهدف قوة، وهو ما يمكن أن ينطبق على إيران حاليا.
في السياق ذاته فقد عمدت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى دعم الاحتجاجات القائمة حاليا في إيران، تصورا منهم بأنها ستفت في عضد النظام القائم، وأن وجودها سيسهم في مساعدتهم حال بدء الهجوم العسكري الثاني، وقد يكون ذلك صحيحا لو أن النظام لا يملك شارعا داعما له، وهو ما يجب التنبه له سياسيا على أقل تقدير.
في هذا الإطار يبرز سؤال مركزي آخر وهو: وماذا بعد؟ أي: كيف سيؤول الوضع الداخلي في إيران في حال تمكن التحالف الأمريكي الإسرائيلي من إسقاطه؟ وما البديل السياسي الآمن الذي سيضبط الأحوال الداخلية في بلد واسع الأطراف، متعدد العرقيات، محاط بحدود سياسية واسعة؟ ذلك هو السؤال المنطقي الذي يطرحه المراقبون ومنهم الدكتور عبد العزيز بن صقر في مداخلته على قناة العربية، وأجد كمتابع بأن ما يطرحونه حق، بل هو عين الوعي السياسي الناظر إلى مصلحة الإقليم بعيدا عن الجنون الإسرائيلي بقيادة نتنياهو الذي يريد تفتيت المنطقة بأكملها وإشعالها حرائق ملتهبة على الصعيد السياسي والاجتماعي بشكل عام.
هذا ما يجري في سوريا حاليا، وما يراد له في لبنان، وما تستهدف إسرائيل تحقيقه في القرن الأفريقي، وما كانت تخطط له من وراء حجاب في الجنوب اليمني لولا حزم سعودي أوقف تداعيات الانفلات الذي كان يقوده عيدروس الزبيدي للأسف.
وهو أيضا ما تريد تنفيذه في إيران حتى لو أدى ذلك إلى تطاير الشرر في فضاء الإقليم، مع إدراكها بأن إيران ليست فنزويلا، وأن ذهنية مجتمعها وسلوكهم الحياتي يقومان على ثقافة التضحية، بعكس ما عليه اليهود الذين تسيطر على سلوكهم الحياتي ثقافة الخوف، إلى الدرجة التي أخذت أعصابهم في الانهيار من سماع صفارات الإنذار والترقب.
ما أريد الخلوص إليه هو أن أي حرب قادمة ستكون نتائجها وخيمة سواء على الساحة الإيرانية أو الساحة الإسرائيلية، وحتما ستصل تداعياتها للإقليم، وهو ما حذرت منه المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وقطر ومصر في دعوتها الموحدة للرئيس الأمريكي، مطالبة إياه بالتوقف عن تنفيذ أي إجراء عسكري إزاء إيران، مؤمنة بأهمية تحكيم العقل وفتح باب للحوار البناء عبر المؤسسات الدولية، ومؤكدة أن من مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل في الألفية الجديدة أن يعيش الإقليم في حالة سلام واستقرار، بما يعزز الشراكة في بناء نهضة اقتصادية لجميع دول الإقليم بما فيها إسرائيل.
فهل سيتحقق ذلك وينبري صوت العقل في كل من إيران أولا، والولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها إسرائيل أيضا؟ ومتى تتحرك القوى الكبرى في أوروبا لوقف فتيل الصراع الملتهب وتستعيد دورها المحوري في إحداث التوازن الاستراتيجي المطلوب في منطقة الشرق الأوسط؟