وليد الزامل

النهضة العمرانية بين المعنى وعمارة الاستعراض

الأحد - 18 يناير 2026

Sun - 18 Jan 2026



يرى ديفيد هارفي أن الفضاء الحضري ليس مجرد حيز جغرافي أو بناء مادي محض؛ بل هو تعبير عن هوية المجتمع أو تسلسل زمني للبعد التاريخي، يحمل في طياته التطور الثقافي للمجتمع وأنماط حياته. البناء بشكل عام يفترض أن يعبر بصدق عن الهوية الثقافية للمجتمع ويعكس تراثه وقيمه وأنماط حياته. والمدينة هي بمثابة نظام أو شبكة علاقات إنسانية. إن تجاهل البعد الاجتماعي في التخطيط العمراني يؤثر على استدامة الحياة الحضرية. بعبارة أخرى، المدينة هي «نص ثقافي» يمكن قراءته لفهم مظاهر التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها السكان. وهذا بالتأكيد لا يعني عدم الاستفادة من التقنيات الحديثة في العمران؛ بل محاولة تطويعها بما ينسجم مع احتياجات المجتمع والبيئة المحلية.

ولكن، لا أعرف لماذا يربط البعض النهضة العمرانية بمظاهر البناء أو ما يعرف بعمارة الاستعراض؟ في الحقيقة، النهضة العمرانية لا تعني الإسراف في بناء المباني الضخمة أو ناطحات السحاب. هذا المفهوم، رغم ما حققه نسبيا من توسع عمراني وتلبية للطلب السكني في وقت سابق؛ إلا أنه أدى في كثير من الحالات إلى إضعاف العلاقة بين الإنسان ومحيطه الحضري. العمارة الاستعراضية ليست مدعاة للفخر أو التميز؛ فهذا الربط الساذج يقود إلى خلق فراغات ميتة وفجوة بين المدينة وسكانها. البعد الرمزي في العمران القائم على المباني الشاهقة بدأ بالانحسار في العالم أجمع ولم تعد هذه المباني رمزا للهيمنة أو التطور أو القوة الاقتصادية كما كان.

إن الاتجاه نحو البناء لأجل البناء دون رمزية ثقافية أو معنى هو دلالة واضحة على خلل في منهجية التخطيط وضعف في مفهوم الكثافات الذكية. يؤكد هذا الاتجاه على بناء هوية مستنسخة بدلا من الاعتماد على الهوية المحلية. أتساءل ما هي القيمة المضافة لمدينة مستنسخة لا يمكن أن تميزها عن أي مدينة أخرى في العالم؟ فالسائح الغربي لن يستمتع بمشاهدة ناطحات سحاب مصمتة وشوارع وجسور؛ بل تجده يبحث عن «عمارة محلية» بسيطة تعكس قيم وثقافة المجتمع عبر التاريخ.

اليوم، السياسات العمرانية المستدامة تؤكد على تبني عمران المعنى والوظيفة بما في ذلك استيعاب هوية المكان وأبعاده الثقافية، وترشيد استهلاك الطاقة، والإدماج الاجتماعي. النظريات الحديثة تتجه نحو البناء المتوافق مع المقياس الإنساني Human- Scale Urbanism ودعم مبدأ المشي والتفاعل الاجتماعي وخلق الفرص الاقتصادية المحلية. وهكذا، فإن استعادة الأنماط الكلاسيكية في المدن، ليست مجرد حنين إلى الماضي؛ بل يمكن اعتبارها بمثابة مشروع النهضة لإعادة الهوية العمرانية المحلية. إنها مواءمة ذكية بين متطلبات العصر والحفاظ على الخصوصية الثقافية، يمكن أن تتجلى في مشاريع الحفاظ على المناطق التاريخية، ومراكز المدن، والأسواق التقليدية، والأحياء السكنية.

إن النهضة العمرانية هي نهضة فكر وثقافة لا يمكن استحضارها ببناء ناطحات سحاب أو مباني ضخمة أو استيراد نماذج لا تنسجم مع السياقات المحلية. النهضة العمرانية تقاس بالقدرة على التحول الشامل نحو بناء نموذج محلي مستمد من ثقافة المجتمع، لديه القدرة على التأثير، ويعمل على تطويع البيئة لخلق جودة حياة واقتصاد فاعل، وعدالة اجتماعية وتوازن في الموارد.

ختاما، لدينا فرصة لبناء مستقبل حضري مستدام ومشروع نهضة عمرانية ملهمة. ولكن، النهضة العمرانية لا تأتي بهدم أو إخفاء مظاهر عمران الماضي؛ بل بإعادة قراءتها في قوالب عصرية تتماشى مع احتياجات الإنسان وتحافظ على خصوصية المكان.