نوال حسن المطيري

السعودية صمام توازن العالم الإسلامي

الأربعاء - 14 يناير 2026

Wed - 14 Jan 2026



في المنعطفات الكبرى من التاريخ، لا تقاس الدول بما تعلنه من مواقف عابرة، بل بما تمنعه من كوارث كانت قاب قوسين أو أدنى.

والعالم الإسلامي اليوم، وهو يواجه موجة غير مسبوقة من التفكيك السياسي والاجتماعي، يقف أمام حقيقة باتت أكثر وضوحا من أي وقت مضى: أن المملكة العربية السعودية لم تكن يوما مجرد دولة مؤثرة في الإقليم، بل كانت - ولا تزال - الركيزة التي حالت دون تمزق أوسع، وانهيار أشمل، وفوضى أعمق.

إن ما تشهده المنطقة ليس صراعات معزولة، بل مسار متعمد يستهدف تفكيك الدول من الداخل، وتحويل الأوطان إلى ساحات نفوذ متنازعة، تمهيدا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي على نحو يخدم الكيان المحتل، ويضمن تفوقه في محيط ضعيف، منقسم، ومنشغل بصراعاته البينية.

وفي هذا السياق، برز دور بعض الدويلات التي اختارت - بدافع الحسابات الضيقة أو الطموح السياسي - أن تكون جزءا من هذا المسار التفكيكي، عبر التعاون المباشر أو غير المباشر مع الكيان المحتل، والمساهمة في إضعاف الدول العربية والإسلامية، سواء بدعم الانقسامات، أو تغذية الصراعات، أو تسويق مسارات تفرغ فكرة الوطن من معناها، وتمهد الطريق أمام إعادة رسم المنطقة بما يخدم طرفا واحدا.

لم يكن اليمن والسودان بعيدين عن هذه المخططات.

ففي اليمن، جرى التعامل مع الأزمة بوصفها فرصة للتجزئة لا بوابة للحل، حيث دعمت أطراف متناحرة، وغذيت نزعات الانقسام، في محاولة لتحويل الدولة إلى كيانات متصارعة، بما يضرب أحد أهم أعمدة العمق العربي والإسلامي.

وفي السودان، اتخذ التفكيك مسارا آخر، عبر إدامة حالة اللااستقرار، وتفجير التناقضات الداخلية، بما يضعف الدولة ويخرجها من معادلة التوازن الإقليمي.

أمام هذا المشهد، وقفت المملكة العربية السعودية في اتجاه مختلف تماما.

فالمملكة، بما تحمله من ثقل ديني وسياسي وتاريخي، تدرك أن تمزق العالم الإسلامي لا يصيب دولة بعينها فحسب، بل يضرب فكرة الأمة في عمقها، ويفتح المجال أمام مشاريع هيمنة طويلة الأمد. ومن هنا، لم تتعامل مع الأزمات باعتبارها ساحات نفوذ، بل باعتبارها مسؤولية تاريخية تقتضي منع الانهيار والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك.

لقد تصدت السعودية لمحاولات تمزيق المنطقة بسياسة ثابتة تقوم على الخطاب الواضح واستقلال القرار. رفضت تحويل الصراعات إلى أدوات تقسيم، ورفضت شرعنة التعاون مع الكيان المحتل على حساب وحدة الأوطان العربية والإسلامية، وأصرت على أن استقرار المنطقة لا يبنى عبر تفكيك دولها، بل عبر الحفاظ على كيانها السياسي والاجتماعي.

وما يميز الدور السعودي أنه لم يكن ردة فعل آنية، بل امتداد لرؤية ترى أن قيادة العالم الإسلامي لا تمارس بالمزايدات، بل بالقدرة على منع الانزلاق الشامل. فالمملكة لا تسعى إلى صناعة التاريخ عبر الفوضى، بل عبر حماية شروط الاستقرار، حتى حين يكون ذلك مكلفا سياسيا وإعلاميا.

إن القول إن المملكة تملك صناعة تاريخ المنطقة ليس توصيفا دعائيا، بل قراءة لواقع أثبت أن غيابها عن موقع الثقل يفتح فراغا لا يملؤه إلا التفكك. فحين تتراجع الدول الكبرى، تتقدم مشاريع التقسيم، وحين تثبت، تتغير مسارات الأحداث.

وفي زمن تتكاثر فيه محاولات تمزيق العالم العربي والإسلامي تحت عناوين مختلفة، تثبت المملكة العربية السعودية أنها ليست طرفا عابرا في المشهد، بل عامل التوازن الذي يحول دون انهياره. وحين تختار بعض الدويلات الارتهان لمشاريع الكيان المحتل، والمساهمة في إضعاف أوطان مثل اليمن والسودان، تقف المملكة في الجهة الأخرى من التاريخ، مانعة سقوط ما تبقى من تماسك، وحافظة لفكرة الأمة من التلاشي.

وهكذا، لا يكتب تاريخ المنطقة بمن سهل تفكيكها، بل بمن امتلك القدرة على منع تمزقها، ولا تقاس القيادة بمن انساق خلف اللحظة، بل بمن صمد حين كان الثمن باهظا، وكان الخطاب الواضح المقرون بالفعل أبلغ من أي خطاب آخر.