عبدالله فدعق

الشراكات الكبرى لا تدار بالضجيج

الاثنين - 12 يناير 2026

Mon - 12 Jan 2026



ثمة فرق بين حرارة اللحظة وحرارة الحقيقة؛ فالأولى تنتج ضجيجا سريعا، والثانية تحتاج عقلا بطيئا، وحين تشتد حرارة النقاشات، يسهل أن يستدرج القارئ إلى أحكام متعجلة، نهايتها توافق كامل وانسجام مطلق، أو قطيعة كاملة وخصومة لا رجعة فيها.

من يعرف الحياة يعرف أن الشراكات الاستراتيجية لا تقوم في الغالب على تطابق الآراء، بل على تقاطع المصالح وتداخل المخاطر، وعلى إدارة الاختلافات، لا على تصديرها؛ وفي الملفات الحساسة تحديدا، كثيرا ما يكون الخلاف خلاف ترتيب لا خلاف مقصد، واختلافا في تقدير الخطر، وتحديد الأولوية، واختيار الأداة، والتوقيت؛ ويظل الهدف العام في كثير من الأحيان متقاربا.

من المفارقات العجيبة، أن الناس لا ترى التفاصيل غالبا، ويهمها المشهد النهائي؛ فإذا تباعدت صورتان في العلن، قفزوا إلى نتيجة قاسية، ومنها أن الشراكات انتهت وماتت؛ والحقيقة أن الشراكات الراسخة أشبه بسفينة ضخمة، قد تغير زاوية الإبحار لتتفادى عاصفة، وقد تبطئ في لحظة وتسرع في أخرى، وقد تختلف غرف القيادة في تقدير اتجاه الريح؛ لكن ذلك لا يعني أنها بدلت وجهتها كلما تغير مزاج الموج.

في الحياة توجد ملفات شديدة الحساسية، تراكمت فيها سنوات من الاعتبارات، وفي مثل هذا النوع يختلف الشركاء في أسئلة تبدو بسيطة، لكنها في حقيقتها معقدة، مثل ما الطريق الأقرب إلى الاستقرار؟ هل شد الخناق على الفوضى، أم ترتيب البيت الداخلي قبل أي شيء؟ أهو البناء على قوى بعينها، أم منع احتكار القرار؟ أهو تقليل المخاطر وتقليص الارتداد، أم تثبيت ترتيبات داخلية تغلق الانقسامات؟.. هذه الأسئلة لا تجاب بجملة واحدة، ولذلك يكثر حولها الجدل؛ فقد يكون أحد الشريكين أميل إلى منطق التهدئة هنا، والضغط هناك، وتقليل التوتر بما يمنع الارتداد إلى نقطة الصفر، وقد يميل الشريك الآخر إلى منطق التمكين، وتثبيت واقع يمنع الفراغ؛ وحين تتعارض الأدوات، لا يعني ذلك بالضرورة تعارض الغايات؛ لكنه يعني أن القراءات مختلفة.

المنصات المتنوعة حين تتلقف التباينات، تجعلها مادة إثارة لا مادة فهم، فتتضخم الروايات، ويصبح أدنى اختلاف «شرخا»، وكل تحفظ «إهانة»، وكل مراجعة «تراجعا»، وتدار الأمور على الكلمات لا على الحقائق، وتنتقل النقاشات من مساحة المصالح إلى مساحة المزايدات، ومن لغة المؤسسات إلى لغة الجمهور، ومن منطق القرار الرشيد إلى منطق المدرجات؛ ومن هنا كان ضبط المشهد مهما للغاية، والضبط الذي أقصده هو فهم أن العلاقات الكبيرة لا تدار عبر الضوضاء العامة، بل عبر القنوات الرسمية، التي تملك وحدها تقدير موازين الربح والخسارة؛ فما يبدو تصعيدا في العلن قد يكون ورقة تفاوض، وما يبدو تباعدا قد يكون إعادة توزيع للأدوار؛ ولا بد كذلك من فهم أن طلب التطابق الكامل في الملفات شديدة الحساسية ليس واقعية، بل تبسيط ساذج؛ فالنضج أن تحتوى الاختلافات، وأن تبقى خطوط المصالح الكبرى مصونة؛ ولا بد كذلك من فهم أن معيار الرأي الرصين ليس سرعة الانحياز، بل سلامة الميزان، ومنع اتساع النار، وحفظ المصالح، وصون الاعتبار، والاستفادة من العقلاء، لا المنفعلين.

أختم بأن الشراكات لا تبنى على عواطف عابرة، ولا تنهار بسبب اختلافات طارئة؛ والأجدر حين ترتفع حرارة اللحظة أن ننتبه إلى أن الضجيج لا يصنع قرارات، وقد يفسدها، ولا يبني شراكات وقد يجرحها، والحكمة أن تطفأ عاصفة اليوم بلا كسرٍ للغد، وأن يدار التباين بما يحفظ المقاصد، ويبقى الرهان دائما على العقول التي تفهم أن الملفات الكبرى لا تدار بالهتافات، بل بالحكمة.