وليد سعد الشهري

الهندسة الجيومكانية – العمود الفقري لحركة المدن الحديثة

الاثنين - 12 يناير 2026

Mon - 12 Jan 2026

لم يعد العالم يتعامل مع المدن باعتبارها تجمعات عمرانية أو شبكات هندسية صامتة، بل بات ينظر إليها ككائنات حضرية حية تتنفس، وتتغير، وتعيد تشكيل نفسها مع كل لحظة. مدينة تتسارع فيها الحياة لا يمكن فهمها عبر الخرائط التقليدية أو القرارات المتفرقة، بل تحتاج إلى منهج جديد يقرأ علاقتها بالزمان والمكان والسلوك. وهنا، يتقدم مفهوم الهندسة الجيومكانية بوصفه العمود الفقري الذي يربط أجزاء المدينة بخيوط لا تراها العين، لكنها تتحكم في كل شيء: من تدفق المركبات إلى توزيع الخدمات، ومن السلوك البشري إلى قرارات التنمية.

لقد تغير سؤال التخطيط الحضري. لم يعد السؤال "أين نضع الطريق؟" بل "كيف يتفاعل هذا الطريق مع حياة المدينة كلها؟". وهذا التحول لم يأت من فراغ؛ إنه نتيجة أدوات تحليلية متقدمة ونظرة جديدة للمدن باعتبارها شبكات علاقات مكانية معقدة.

وفي المملكة، يتجسد هذا التحول في المشروع الوطني الذي تقوده الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA، وهي الجهة التي تتولى توحيد الخرائط وإرساء المعايير المكانية وضمان دقتها، بحيث تعمل المدن السعودية على "لغة مكان واحدة"، لا على خرائط متنافرة أو مصادر بيانات متفرقة.

فالمدينة الحديثة ليست مجرد طرق ومبان. إنها نظام حي لا يمكن فهمه إلا عبر قراءة الفضاء الذي يتحرك فيه الناس. التجربة العالمية تثبت ذلك: سنغافورة، أمستردام، سيول... جميعها حققت قفزاتها ليس عبر بناء طرق جديدة، بل عبر بناء قدرة على رؤية المدينة بوضوح غير مسبوق. هذه الرؤية لا تأتي بالعين المجردة، بل عبر نماذج تنبؤية وخرائط حية وتحليلات مكانية تكشف ما لا يظهر في المشهد التقليدي.

وفي السعودية، أصبحت GEOSA الممكن الأساس لهذه الرؤية؛ فمن دونها لا توجد صورة مكانية متسقة يمكن للمدن أن تستند إليها.

والهندسة الجيومكانية، في جوهرها، ليست خرائط فحسب، بل طريقة تفكير. إنها منهج يدمج بين المكان والسلوك والبيانات، وهو ما توضحه WSMA من خلال "المنطق المكاني" Spatial Logic. فحين تتكدس حركة المركبات في نقطة واحدة بشكل متكرر، فإن السؤال لا يكون عن عدد السيارات فقط، بل عن القرار المكاني الذي دفع الجميع إلى هذا المسار. وعندما تتغير بنية طريق أو ينقل مرفق رئيسي، تتغير معها أنماط السلوك كلها، وكأن المدينة كلها تعيد ترتيب حياتها استجابة لقرار واحد.

هذه التغيرات لا ترى إلا عبر أدوات جيومكانية دقيقة، والتي بدورها تعتمد على بيانات معيارية وطبقات موحدة. وهنا تتجلى أهمية GEOSA التي لا توفر الخرائط فقط، بل تبني "البنية العقلية" التي تحتاجها المدن لفهم نفسها، وتوحد جميع الطبقات المكانية لتضمن أن القرار لا يبنى فوق فراغ.

وتكشف التجارب العالمية حقيقة مهمة: أي تدخل حضري لا يستند إلى تحليل مكاني شامل يتحول إلى حل مؤقت سرعان ما يتلاشى أثره. توسيع طريق، تعديل إشارة، إنشاء مخرج جديد... كلها حلول سطحية إذا لم تقرأ في سياقها المكاني والسلوكي. وكل مدينة اختارت تجاهل هذا السياق دفعت الثمن لاحقا.

أما المدن التي اعتمدت الهندسة الجيومكانية، فقد أصبحت قراراتها أدق، وحلولها أطول عمرا، وقدرتها على التنبؤ أعلى. وهذا الاتجاه هو الذي تتبناه المدن السعودية اليوم، بدعم مباشر من GEOSA التي أصبحت الشريك الأول في بناء الوعي المكاني قبل أي خطوة تخطيطية.

وما يجعل الهندسة الجيومكانية حجر الزاوية في المدن الحديثة هو قدرتها على تحويل المدينة من "كتلة عمرانية" إلى "نموذج تشغيلي". حيث إن المدينة التي تمتلك بيانات مكانية موحدة تستطيع أن ترى نفسها، وتقيس أداءها، وتفهم أنماطها، وتعيد تشكيل قراراتها بشكل مستمر. الخرائط هنا لا تستخدم للعرض، بل للعمل؛ فهي تقيس كفاءة البنية التحتية، وتكشف أخطاء التخطيط، وتحدد نقاط الخطر، وتوجه الاستثمار، وتظهر الأحياء التي تحتاج إلى تدخل عاجل. وكلما كانت البيانات دقيقة ومتسقة أصبحت القرارات أكثر عدلا وفاعلية.

والأهم أن الهندسة الجيومكانية تربط المدينة بذاتها. فالمدينة التي تمتلك خريطة حية تستطيع أن ترى أثر كل قرار فورا، وتفهم كيف تتغير تدفقاتها، وتقيس جودة الحياة في كل حي وكل شارع. هذه القدرة على الرؤية هي ما يجعل الهندسة الجيومكانية العمود الفقري لحركة المدن الحديثة، لأنها تمنح المدن قدرة على التعلم والتطور، وليس مجرد العمل الروتيني.

وفي عصر تتسارع فيه التكنولوجيا، وتزداد فيه المدن تعقيدا، تصبح الهندسة الجيومكانية الشرط الأساسي لبناء مدينة ذكية قادرة على التنبؤ والتكيف. إنها الإطار الذي يجمع الإنسان بالمكان، والقرار بالمعرفة، والمدينة بمستقبلها، وهو الإطار الذي تقوده المملكة من خلال رؤية 2030 بخطى واضحة عبر GEOSA.

وفي المقال القادم، سننتقل إلى مفهوم أكثر تقدما: التوأم الرقمي الحضري، كيف تصبح المدينة قادرة على رؤية نفسها لحظة بلحظة؟ وكيف تمكن GEOSA هذا التحول؟