الوعي القيادي بامتداد الباحة زمانيا ومكانيا
الاثنين - 12 يناير 2026
Mon - 12 Jan 2026
حين افتتح سمو أمير منطقة الباحة موسم شتاء الباحة في محافظة المخواة، وأشار إلى أن الباحة تجاوزت توصيفها التقليدي بوصفها مصيفا لتكون حاضرة في الشتاء أيضا، كان المشهد أوسع من كونه مناسبة موسمية، فالعبارة التي قيلت في سياق فعالية محددة حملت دلالة فكرية تتصل بطريقة فهم المكان، وبكيفية بناء التنمية على أساس ممتد في الزمن والمجال.
لقد ارتبط اسم الباحة في الوعي العام بالصيف واعتداله، وبالحضور السياحي الذي يتكثف في فترة محددة من العام، وهذا الارتباط أسهم في ترسيخ صورة إيجابية للمكان، لكنه في الوقت ذاته حصره ضمن إطار زمني ضيق، وجعل التخطيط والتنمية يدوران حول موسم بعينه، ومع هذا التحول في الخطاب، بدأت الباحة تقرأ بوصفها فضاء قادرا على الحياة المستمرة، وعلى استقبال النشاط الإنساني والاقتصادي في أكثر من زمن.
وهذا التحول يعكس وعيا قياديا يتعامل مع المكان بوصفه كيانا حيا، له طاقة كامنة عبر الزمن، وليس مجرد موقع يستدعى في لحظة ذروة، فالقيادة التي تدرك امتداد المكان تنظر إلى الزمن باعتباره عنصرا فاعلا في التخطيط، وتتعامل مع التنمية باعتبارها عملية تراكمية، تنمو بهدوء وتستقر آثارها على المدى الطويل. ومن هنا، يصبح الحديث عن الباحة في الشتاء جزءا من تصور أوسع يتصل بالاستدامة، وبقدرة المكان على الاستمرار دون انقطاع.
ويتكامل هذا الوعي الزمني مع وعي مكاني واضح، فالمنطقة لا تختزل في مركز جغرافي واحد، بل تتشكل من تنوع غني في التضاريس والبيئات، يمتد من قمم السراة إلى سهول تهامة، ومن القرى الجبلية إلى المحافظات ذات الطابع الزراعي والساحلي، ويأتي اختيار المخواة موقعا لانطلاق موسم الشتاء تأكيدا لهذا الفهم، حيث تتوزع التنمية على المجال المكاني، ويمنح كل جزء من المنطقة فرصته في الحضور والمشاركة.
ومع امتداد النشاط السياحي عبر العام، تتغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان، فالسياحة حين تستقر زمنيا، تترك أثرا أعمق في الاقتصاد المحلي، وتمنح المجتمع قدرا أكبر من الاستقرار الوظيفي، وتسهم في تحسين جودة الحياة، كما تعزز من حضور المكان في الذاكرة الوطنية، بوصفه فضاء قابلا للعيش والتجربة، وليس محطة عابرة مرتبطة بوقت محدد.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الباحة بوصفها مكانا متعدد الأزمنة، يحتفظ بهويته، ويتفاعل مع فصوله المختلفة بإيقاعات متنوعة، فالجبال هي ذاتها، والقرى هي ذاتها، غير أن التجربة تتبدل، وتفتح للمكان معاني جديدة، تتجدد مع تغير الزمن، وهذا التعدد يمنح المكان قدرة على الاستمرار، ويقيه من الاستهلاك السريع.
خلاصة القول، إن التصريح الذي أدلى به سمو أمير منطقة الباحة للإعلام في افتتاح موسم الشتاء يعكس إدراكا عميقا لامتداد المكان زمانيا وجغرافيا، ويؤسس لمسار تنموي متوازن، يقوم على توزيع الفرص، وتوسيع دائرة الحياة، وبناء علاقة مستمرة بين الإنسان والمكان، وهو بذلك مسار يمنح الباحة حضورا دائما، يتجاوز حدود الموسم، ويؤكد مكانتها بوصفها نموذجا ناضجا في التخطيط والتنمية.