باسم سلامه القليطي

ديف شابيل: الفيلسوف الساخر

الأحد - 11 يناير 2026

Sun - 11 Jan 2026

(ديف شابيل) لا يمكن اختزاله في توصيفٍ عابر كـ«كوميدي ناجح». فالرجل، في جوهر تجربته، يتجاوز الإضحاك إلى التفكير، ويتجاوز النكتة إلى الموقف، ويتجاوز الخشبة إلى الفلسفة. هو صاحب رؤية، ومفكر ساخر، يلتقط تناقضات العالم لا ليضحك منها فقط، بل ليعرّيها، ويضعها أمام الجمهور كما هي: عارية، محرجة، ومقلقة أحيانا. شابيل لا يطلب منك أن تضحك فقط، بل أن تتأمل: لماذا ضحكت؟ وعلى ماذا؟ وما الذي انكشف لك دون أن تشعر؟

في عرضه الأخير بواشنطن (أداء لا يُقهر)، بدا شابيل في قمة نضجه الفني. لم يكن العرض مجرد سيل من النكات، بل كان بناءً ذكيا يجمع بين الكوميديا وسرد المعلومات، بين الحكاية والتاريخ، بين الضحك والوعي، بين التجربة الشخصية والسياق العام. يمرّ على القضايا الثقيلة بخفة، وعلى الأفكار المعقّدة ببساطة، دون أن يفقد عمقها. وهذا تحديدا ما يميز عباقرة الكوميديا: القدرة على تبسيط المعقّد دون تسطيحه، وإضحاك الناس وهم يفكرون، لا وهم غافلون.

وتتجلى شجاعة (ديف شابيل) حين يقترب من المناطق المحرّمة في الوعي الغربي، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. حديثه الصريح عن جرائم الكيان الغاصب، ووقوفه في وجه السردية السائدة، لم يكن استعراض بطولة، بل موقفا أخلاقيا دفع ثمنه من رصيده الإعلامي، وكسب به احترام كل من يؤمن أن الفن الحقيقي لا ينفصل عن الضمير. هنا، تتحول الكوميديا إلى أداة مقاومة ناعمة، وإلى صوتٍ يقول ما يخشى كثيرون قوله.

فن الـ«ستاند أب كوميدي» ليس نزهة، بل مخاطرة. هو أشبه بالمشي على حبل مشدود في سماء عالية، وأسفله نيران الرأي العام، وسياط التأويل، وسوء الفهم. هو فن ملاحظة التفاصيل الصغيرة، وربطها بخيوط ذكية، ثم تقديمها في قالب مضحك دون أن تنكسر الفكرة أو يسقط المعنى. قلة فقط من يمتلكون هذه القدرة، وقلة أقل من يوظفونها بوعي ومسؤولية. وديف شابيل، دون مبالغة، يقف في مقدمة هؤلاء. ومن يحسن هذا الفن، لا يُضحك الناس فقط، بل يعيد ترتيب وعيهم دون أن يشعروا.

في السعودية والعالم العربي، بدأ هذا الفن يخطو خطواته الأولى بجدية ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. قد تبدو الخطوات بطيئة، لكنها تسير في الاتجاه الصحيح. نحن في مرحلة التأسيس، وبناء الذائقة، وفرز الأصوات. ومع الزمن، لن يبقى إلا من يمتلك موهبة حقيقية، وفكرة واضحة، واحتراما لعقل الجمهور.

أعود إلى (ديف شابيل)، لا بوصفه ضيفا عابرا على مهرجان، بل بوصفه شاهدا ثقافيا من داخل المسرح الأمريكي نفسه. حين تحدّث عن مشاركته في مهرجان الرياض للكوميديا، وتوقّف عند زيارة السعودية بلهجة إيجابية صادقة، لم يكن ذلك تفصيلا هامشيا في عرضه، بل لحظة ذات دلالة. اللافت لم يكن كلامه فقط، بل التفاعل المؤيِّد من الجمهور الأمريكي، وكأن المشهد يعلن بهدوء أن الصورة النمطية حين تُكسر من الداخل، تسقط بسهولة.

هنا تتجلّى القوة الناعمة في أنقى صورها: فعاليات تُخاطب العالم دون ضجيج، وتقدّم السعودية بثقة لا تحتاج إلى تبرير. وحين ختم حفله بخاتمتين، وأشار إلى أن الثانية «على الطريقة السعودية»، لم تكن مجرّد نكتة لطيفة، بل اعترافا رمزيا بأن للسعودية اليوم حضورا ثقافيا يُلهم، ويُقتبس، ويُحتفى به على أكبر المسارح.

وفي خاتمة عرضه، حين استعرض شابيل شخصيات تاريخية ومعاصرة، وأحداثا متباعدة في الزمان والمعنى، ثم جمعها في لحظة واحدة بعقدٍ واحد، وسط دهشة وتصفيق، أدركت — وأنا أتابع من خلف الشاشة — أنني أمام عبقري حقيقي. عبقرية لا تعني العصمة، ولا تعني الاتفاق الكامل. فأنا هنا أتحدث عن نبوغه الكوميدي الفلسفي، مع إدراكي أنني لا أؤيده في كل أفكاره التي تخالف ديني، وإن كان الرجل مسلما. ولعلّه، في بعض ما يقول، أقرب إلى أولئك الذين قالوا كثيرا وأصابوا أحيانا، وأخطأوا أحيانا، لكنهم تركوا أثرا لا يمكن تجاهله. وهذا وحده كافٍ ليضعه في صدارة هذا الفن، بلا مجاملة ولا تهويل.