شاهر النهاري

محاولة تفريغ ومعالجة سياسة الحكومة الإماراتية

الأحد - 11 يناير 2026

Sun - 11 Jan 2026



ما يحدث اليوم بين العرب ليس مجرد خلافات سياسية عابرة ولا تباينات في وجهات النظر بين الأشقاء، بل تحول إلى نمط منافسات وتدخلات واضحة، يستباح فيها الغدر، والخيانة، وتوظيف الشركات لأغراض عسكرية، وتكوين الفرق المسلحة، ونشر المرتزقة، وعقد التحالفات مع العدو الصهيوني، لإعادة تفكيك وتشكيل الدول العربية من الداخل، عبر الاختراق المعنوي والاقتصادي والعسكري والالكتروني وتفعيل التفكيك البطيء.

خيانات، أسس لها التطبيع، وجرائم حرب تجري أمام أعين الجميع في ليبيا وسوريا والسودان واليمن والصومال، وبعض الدول العربية تخشى أن تشارك ولو بكلمة حق أمام مشروع جهنمي، كي لا تكون الضحية القادمة!

الدولة العربية المعتزة بقدرها، حين ترى شقيقتها تستهدف، تعلم أن بعدها الجغرافي أو حيادها السياسي لن يحميها.

فالتجربة أثبتت أن التدخل لا يبدأ بالقصف الناري، بل بشراء الذمم، والموانئ، والقنوات المائية، وموارد الاقتصاد، ودعم المعارضة المحلية، وخلق كيانات فوضى موازية، تفرض الأمر الواقع بالقوة والابتزاز والترهيب.

نمط سلوك استعماري لم يعد خافيا على العقلاء، ولا يمكن تمريره بشعارات الاستثمار أو التنمية أو مكافحة الإرهاب، لأن نتائجه كانت دائما واحدة، تزلزل الدولة الوطنية وتمزق نسيجها الداخلي، حتى تستسلم للتطبيع، وتبيع عزتها واستقلالها ووطنها.

إن أخطر ما في الدور الإماراتي اليوم لا يقاس بحجم المصدر، بل بتشعب وتبعية وخبث تحالفاته.

فهو خدمة مباشرة للأهداف الصهيونية، تحت غطاء الاقتصاد والدبلوماسية والأمن المشترك وخرافة الديانة الإبراهيمية، ما يكشف أن الأهداف ليست حماية الخليج ولا دعم كينونة العرب، بل تحطيم مراكز الثقل العربي، وفي مقدمتها السعودية، باعتبارها حجر الأساس في استقرار المنطقة، وعمقها العسكري، والديني والسياسي.

واستهداف السعودية، ومراكز الثقل والتوازن العربية الأخرى، بتحايل مخادع أو عبر الوكلاء، يؤكد نوايا شريرة لتحطيم كامل الدول العربية، وتبديل البوصلات الراسخة.

الدول الخليجية والعربية لا بد أن تدرك أن الصمت لم يعد موقفا يحترم، وأن المجاملة السياسية لم تعد حكمة، وأن استئمان الضبع مشروع خراب ودموية مستقبلية.

والمطلوب اليوم اصطفاف عربي واضح، يتجاوز الخلافات الشكلية، ويرفض التدخلات البينية بقوة، ويمنع تحويل الاقتصاد إلى أداة هيمنة، تسمح بتغلغل العدو الصهيوني إلى العواصم العربية تحت مسميات مخادعة.

وأدوار جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والمجالس الاقتصادية، يجب أن تفعل، لتأدية وظائفها الأصلية، وحماية السيادة، ومنع الاختراق، والخروج عن الصف.

وفي الوقت نفسه، لا بد من التفرقة بين الشعوب والسياسات.

فشعب الإمارات ليس عدوا بذاته، ولا يمكن نزعه من جيرته، ولا بد من التفاهم مع قيادات الإمارات الأخرى غير الراضية عن هذا النهج المريع.

فما يجري في الإمارات يعتبر نتاج قرارات دائرة ضيقة وجدت نفسها خارج سياق العقل العربي، تظن أن المال غاية، وأن القيم تباع وتشترى، وأن النفوذ يبنى على الخيانة والدماء.

والمسؤولية الأخلاقية تقع أيضا على عقلاء الإمارات، لوقف مسار الطعن في كيانات وقيم العروبة والجيرة.

التاريخ لا يرحم، والسياسة بلا قيم قد تنجح زمنا، لكنها تسقط صاحبها في النهاية حتما.

أما الدول العربية المتفرجة، فلا بد أن تدرك أن الصمت عن نار الغدر لبيت الجار، لا بد أن يحرق بقية بيوت الصامتين، من تركوا يد السوء تفجر دون ردع.