وليد الزامل

التخطيط العمراني مسار شمولي أم نتيجة مباراة؟

الأحد - 11 يناير 2026

Sun - 11 Jan 2026



سألني أحد الطلاب هل يمكن أن تبنى المدن بلا خطة؟ فقلت له نعم، ولكن النتيجة سوف تكون استنزافا للجهد، والموارد المالية، وصعوبة في تحقيق الأهداف الوطنية العليا. أنت بلا خطة كالشخص التائه الذي يسير في الصحراء بلا خريطة أو مرشد، قد تصل إلى هدفك صدفة؛ ولكن بعد فوات الأوان، وقد تحقق نتائج لحظية، وقد تتخبط عشوائيا بالسير دون الوصول إلى الهدف.

في كأس العالم 2022، فازت السعودية على الأرجنتين في مباراة وصفت بالتاريخية؛ ولكن لماذا الفريق الخاسر حصل على كأس العالم في البطولة نفسها؛ بينما خرج الفريق الذي فاز عليه من الدور الأول؟ فريق فاز بالنتيجة الوقتية، وفريق آخر حقق الهدف النهائي. في الحقيقة، أنت قد تبدع أحيانا عندما تشعر بالاستفزاز، وتقدم أفضل ما لديك عندما تكون تحت الضغط أو في مواجهة الخصم القوي. لكنك تتراخى ولا تسير بالخطة نفسها عندما تواجه الخصم الأضعف. النتائج الوقتية ولذة الاحتفال في هذه الحالة مقدمة على أهداف الخطة.

يفتقد البعض التخطيط كمنهج شمولي في الحياة إما لعدم الإيمان بأهميته أو الرغبة بالحصول على نتائج سريعة يصفق لها الجميع. الأمثلة لا تقتصر على الجانب الرياضي؛ بل في معظم مناحي الحياة، ففي التعليم مثلا نركز دوما على المنتج النهائي دون أن نسأل أنفسنا لماذا نتعلم؟ وكيف نستفيد مما تعلمناه؟ نريد الفوز بالنتيجة فالمهم أن نحفظ المعلومة لنحصل على الدرجة المطلوبة. لذلك، يجتهد الطالب في ليلة الامتحان، يسهر الليالي، يحفظ ويسترجع ما تعلمه، ثم ما أن ينتهي الامتحان حتى يرمي كتبه في أقرب مرمى للنفايات. السلوك العشوائي يثنيه عن التفكير بالاحتفاظ بكتبه الدراسية أو المراجع الجامعية في مكتبته الخاصة لاسترجاع ما تعلمه؛ كأن المطلوب هو الحصول على درجة في الامتحان، لا بناء معرفي مستدام.

أما في الاقتصاد الأسري، فالكثير ليس لديه أي معلومات حول مفهوم الميزانية، والادخار، وطرق الاستثمار. السلوك العشوائي ذاته يتكرر حين يستلم الراتب الشهري، ليسارع في صرفه في اليوم التالي. ثقافة الادخار والتخطيط لإدارة الأزمات الاقتصادية غير موجودة لديه حين يحتفل بالشراء والاستهلاك على حساب إدارة الموارد المالية بكفاءة. في التخطيط العمراني، نستجمع الجهود من أجل تحسين الأحياء السكنية القائمة دون أن نفكر في ردم الفجوات في البنية التشريعية والإجرائية والتنفيذية والتي ساهمت في توليد هذه الأنماط العمرانية. وهكذا، تستمر الإشكالات الحضرية لعدم وجود نموذج مستدام. نحتفي بالمنتج النهائي كاحتفالنا بالفوز في مباراة تاريخية، دون أن نفهم العملية التي قادت لتطوير هذا المنتج والفجوات والتحديات التي صاحبت الوصول إلى هذا المنتج لندخل في دوامة الحلول الوقتية اللانهائية. المشكلة أننا تتعامل مع النجاح كحدث وقتي لا كعملية مستمرة وتراكمية. نرى النجاح في «شكل» المنتج النهائي دون أن نفكر في «المسار» الذي ولد هذا المنتج و»المنظومة» التي تضمن استدامته.

إن التخطيط الحقيقي ليس أن نهزم بطل العالم في مباراة واحدة، ثم نخسر بقية المباريات. ليس في النجاح في الامتحان ثم نخسر جوهر المعرفة في بقية حياتنا. ليس في إنفاق الدخل؛ ثم البحث عن حلول تمويلية لبقية الشهر. وليس في تحسين الشكل العمراني ومعالجة ظواهر المشكلة. التخطيط هو أن نبني مسارا واضحا غير قائم على الصدفة، وقابلا للتنفيذ، يوازن بعدالة بين الطموح والإمكانات، ويرسم ملامح مستقبلية واعدة للجيل الحالي والأجيال المستقبلية.