علي المطوع

الهبوط الاضطراري!

السبت - 08 يونيو 2024

Sat - 08 Jun 2024

في عالم الطيران يكون الهبوط الاضطراري بسبب خلل مفاجئ يواجه الطائرة وطاقمها، يمنعهم من التحليق المتواصل للوصول إلى وجهات جديدة، كذلك الكاتب يضطر إلى التوقف عن الكتابة والإنتاج كنوع من الهبوط الاضطراري في مدرج اللحظة الفارقة التي تجعله يعيد حساباته ويتساءل؛ هل ما أقدمه جدير بالمتابعة والتقدير؟!

قليل من المهنيين - إذا اعتبرنا الكتابة مهنة - هم من يقف عند هذا السؤال ويعيدون تقييم تجاربهم و فق ما استجد وما تغير، والبعض يواصل التحليق مستمرا في الكتابة بشكل يومي وقد لا يكون مفيدا بقدر ما هو تسجيل حضور إلزامي يجعله يستنسخ مداده مرات ومرات كثيرة، وفي كل مرة لا تجد جديدا يقرأ فيشكر!

أتابع بعض الكتاب المؤثرين الذين انحازت لهم أضواء الكتابة اليومية موهبة ومهنة، فأجدهم مولعين بالكتابة والسفر في موضوعاتها المختلفة، آخذين القراء إلى وجهات جديدة وموضوعات متنوعة، هذا النوع من الكتاب يكتب منذ أزمان بعيدة ولديه من الجلد ما يجعله أيقونة كتابية تنتظر؛ مهما كان موضوعه وقيمته، إلا أنه أصبح جزءا من يوميات القارئ وعاداته التي تجعله يعرج على عمود هذا الكاتب فيرى ماذا كتب وكيف كتب؟ هذا الصنف من الكتاب يملك النفس الكتابي الطويل، ويملك غزارة معلوماتية تدفعه لمزيد من التحليق في موضوعات شتى، وفي كل موضوع له بصمة وفي كل بصمة تجده وتجد أسلوبه الكتابي الجميل والمألوف.

وفي مدرج اللحظة عندما يتوقف الكاتب، يعتصره الألم وهو يرى مجايليه يتنقلون من محطة كتابية إلى أخرى، قادرين على حمل قرائهم إلى جهات شتى، وفي كل جهة لهم بصمات نجاح وإشادات تذكرهم وتستذكرهم في كل المناسبات، أما الكاتب الضعيف فيظل على رصيف اللحظة يرفع يده ويخفضها ملوحا للمسافرين؛ (والمسافر راح)!

جميل أن تكون كتاباتك كالطائرة، وجميل أكثر أن يكون قلمك هو ربان تلك المركبة، والأجمل أن تجد أناسا يبحثون عن مقعد شاغر ليسافروا معك في جهاتك الأربع، كل يبحث عن ذاته من خلالك، قد يتفق وقد يختلف؛ ولكنه في كل أحواله القرائية يظل (زبونك) الذي يحرص على التحليق معك، وفي نهاية الرحلة يعطيك انطباعه؛ مادحا أو قادحا، لا يهم؛ المهم أنه شاركك تلك الرحلة، وحسب على ركابك الذين يبحثون عن المتعة والفائدة من خلال ما تكتبه لهم، أو ما تكتبه لنفسك أو عنها؛ من خزعبلات وأمنيات وتقديرات، إلا أنها تظل مقروءة ومقرونة بتلك الأسئلة الجميلة التي يطلقها القراء وأهمها ماذا يقصد؟

ذلك السؤال الأهم في مسيرة الكاتب الذي يبحث عن نفسه وموهبته في زوايا الإثارات والمنعطفات التي يعشقها القارئ، عندما يبحث عن قضية للاتفاق أو الاختلاف، المهم أن يكون القارئ الحصيف موجودا ضمن طاقم تلك الرحلة التي يقودها ذلك القلم، والمتجهة إلى تلك الجهة المعروفة مسبقا، في رحلة محسومة ومحسوبة من قبل برج المراقبة الذي يتعين عليه إعطاء كل ربان زمنا محددا للإقلاع والهبوط وكذلك الارتفاع، حتى يكون الجميع في مأمن من أي صدام محتمل بين الأفكار؛ سواء في الجو أو في مدارج السائرين.

alaseery2@