بسمة السيوفي

الكعب العالي

الثلاثاء - 09 يناير 2024

Tue - 09 Jan 2024


لم يحدد العلماء الزمن الذي تخلى فيه الإنسان عن المشي حافي القدمين.. إلا أن تاريخ الكعب العالي يعود إلى حقب زمنية وحضارات قديمة، حيث كان النبلاء يرتدونه تعبيرا عن المكانة الاجتماعية وفي ساحات المحاكم، وكانت أحذية الإغريق والرومان والمصريين أحذية جلدية، وفي الصين خشبية.

يعود اختراع أول حذاء في العالم إلى 9 آلاف عام، ويدل التغير الذي طرأ على شكل عظام قدم الإنسان منذ 30 ألف عام على أن الحذاء كان معروفا منذ ذلك الحين، وخلال الفترات التاريخية المتعاقبة لبس الإنسان الأحذية للأناقة ولتعزيز الوضع الاجتماعي، كانوا يسمونها بالعربية «نعال» و»شراميز».. وفي القرن السادس عشر صمم إسكافي يدعى نيكولاس الأحذية بكعب عال للويس الرابع عشر حيث بلغ طول بعضها أكثر من 10 سم.. فلبسه الرجال ثم أصبح الكعب العالي مشاعا بين سيدات المجتمع الراقي وزوجات النبلاء في إيطاليا وفرنسا، ثم في أوروبا، يرتديه الرجال والنساء كرمز للقوة والسلطة، وتطور ذلك ليصبح عنصرا أساسيا في الأناقة، يضيف لمسة من الرقي والجاذبية على المظهر العام.

هناك بالتأكيد جوانب نفسية وراء جاذبية ارتداء الكعب العالي، في ظل وجود عوامل رمزية مرتبطة بمن يرتديه.

صورة الجسم والهوية الشخصية والقدرة المادية تلعبان دورا هاما في تشكيل هذه الرمزية. فعلى سبيل المثال إن كانت المرأة تفضل ارتداء العالي جدا فقد يكشف ذلك عن شخصية قوية وواثقة تحب لفت الأنظار، مع احتمالية كبيرة أن تكون مدللة ومتقلبة المزاج؛ لأنه وفق علماء النفس فإن نوع الحذاء وشكله يكشف عن الشخصية، ودرجة الاهتمام بالتفاصيل، حتى أن بعض الخاطبين يتم رفضهم بمجرد أن تنظر المخطوبة إلى الحذاء؛ لأنه أول ما تنظر إليه المرأة وترى فيه انعكاسا لشخصية الرجل، نوع الحذاء قد يعكس عند البعض انخفاض الثقة، والرغبة في التخلي والخشية من العلاقات العاطفية.

الموضة ليست فقط في الطريقة التي نختار بها الحذاء وماذا يعني ارتداء العالي أو الرياضي أو المسطح، بل هي موجودة كذلك في ثقافة ارتداءه وفي أي مناسبة ومع من نكون، هناك مثلا 18 نوعا من أحذية الكعب العالي، على كل امرأة أنيقة معرفتها، الأشهر منها كعب الستيليتو Stiletto الذي يبدأ طوله عادة من 8 سم، وهناك أيقونة شهيرة لحذاء لون باطنه الذي يلامس الأرض، هو الأحمر القاني، تتميز به دار أحذية «كريستان لوبوتان».. وتتمنى أغلب النساء اقتناؤه لأنه مزيج مثالي من الأناقة والحرفية.

الكعب العالي هو شكل من أشكال التعبير عن الذات، يرتبط بدرجة الثقة والشعور بالتمكين، لن يدرك ذلك إلا من اعتاد على ارتدائه، خاصة وأنه يضفي على جسد المرأة بعض النحافة وامتشاق الساقين، فيبرز الجوانب الأنثوية أثناء المشي ويجعل المرأة أكثر جاذبية، ويصحح وضعية الجسم عبر الحصول على وقفة أكثر ثقة، لأن الشعور بالطول يزيد من ثبات الجسم، فارتداء الكعب الشاهق والتبختر فيه نافذة على الذوق الشخصي، ودليل على القدرة الواثقة في صنع القرار.

وبالمقابل لا بد أن نشير إلى أن الأحذية ذات الكعب العالي لم تعد «تروق كثيرا للفتيات من أبناء جيل الألفية والجيل الذي يسبقه، لأنها ترتبط بفكرة الإلزام بانتعال الكعب العالي».. وتحول الأمر إلى قيود على الهندام توضع على المرأة، على الأرجح، في أماكن العمل.

فبعض الشركات تشترط الالتزام اليومي بالكعب والمكياج الكامل.. ويمنع على أي موظفة ارتداء كعب أقل من 5 سنتميترات طولا.. وإلا كان مصيرها التسريح من العمل.

عليه لا بد من تفكيك فكرة الإلزام.. ورمزية ارتداء الكعب العالي، خاصة مع وجود المخاوف الصحية المرتبطة بمشاكل القدم والظهر بسبب ارتدائه لفترات طويلة، ووجود بدائل أخرى تخرج ارتباط ارتدائه بالضغط الاجتماعي ومحاذير الاختيارات الفردية الأنثوية.

يقولون إن ارتداء السيدات للكعب العالي بطول 2 انش أي ما يعادل 5 سنتميترات هو الارتفاع السحري المناسب التي خلصت له إحدى الدراسات العلمية.. وأن ارتداء الكعب العالي ليوم واحد في الأسبوع على الأقل، أو في المناسبات الخاصة، هو الأفضل.

وعلى الرغم من الجدل والنقاشات، إلا أن جاذبية الكعب العالي وإغراءه تجعل منه خيارا خالدا ومبدعا للأزياء.. ها نحن نشاهد اختراعات لأحذية تضيء في الظلام وتشحن الجوالات.. أحذية قابلة للاتساع، وأحذية بها شرائح تتبع للأطفال.. وتوقعاتي أنهم سيخترعون قريبا حذاء مريحا قابلا للارتفاع والانخفاض.. يتبدل لونه حسب لون الملابس ويتغير كعبه وفق الرغبة.. دون أن تضطر المرأة إلى شراء العشرات من الأحذية وحشر الأصابع الخمسة داخل نعل مدبب وضيق.. بحثا عن جاذبية وقبول أكبر.

خلاصة القول إن ارتداء الكعب العالي قد يأتي كاختيار مهجور بالنسبة للمرأة الطويلة، وتفضيل مسبب بالنسبة للمرأة القصيرة.. كما أن شراء زوج من الأحذية بالنسبة للمرأة يماثل شراء عالم من المشاعر والأحلام، وهو أسرع طريقة للتغيير من النفسية والشكل العام.

حذاء الكعب موجع خاصة لو كان جديدا، لكن المرأة لن تختاره بالتأكيد لتمشي به مسافات طويلة.

وما لا يمكن انكاره أن الحذاء بطاقة هوية.. سلاح جاهز للدفاع عن النفس خاصة إن كان مدببا.. وأسلوب اعتراض للتعبير عن المواقف السياسية، ولكن في رأيي أن «البرهان الحقيقي على أناقة الفرد هو ما يرتديه في قدميه».


smileofswords@