ناصر صالح الغميز

محاصيل الحبوب والأمن الغذائي المحلي

الأحد - 17 ديسمبر 2023

Sun - 17 Dec 2023


يعد تأمين الأمن الغذائي من الموضوعات التي تشكل محور اهتمام كثير من الدول، وتقلق مستقبلها، خاصة مع زيادة انتشار الأوبئة والصراعات الجيوسياسية في مناطق إنتاج المحاصيل الاستراتيجية والتغيرات المناخية العالمية التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة والجفاف؛ مما نتج عنه تحد قوي في إمداد سلاسل الأمن الغذائي في مناطق الإنتاج. والأمن الغذائي كما عرفته منظمة الزراعة والأغذية للأمم المتحدة (الفاو) هو: «توفير الغذاء لجميع فئات المجتمع بالكمية والنوعية اللازمتين للوفاء باحتياجاتهم بصورة مستمرة من أجل حياة صحية ونشيطة»؛ لذا نجد أن دول العالم الأول تتسارع إلى استخدام أفضل التقنيات الزراعية؛ للرفع من إنتاجية وزيادة المحاصيل الاستراتيجية التي تسهم في الأمن الغذائي العالمي؛ لتوفر مخزونا استراتيجيا لها، والوصول إلى الاكتفاء، ثم الإنتاج والتصدير.

وفي ظل ما تشهده المملكة العربية السعودية من نهضة غير مسبوقة في مختلف المجالات، ولا سيما مجال الأمن الغذائي؛ فقد أولت حكومة خادم الحرمين الشرفين - حفظه الله - وسمو ولي عهده الأمين اهتماما كبيرا في توفير الأمن الغذائي؛ حيث أقرت تحويل المؤسسة العامة للحبوب إلى الهيئة العامة للأمن الغذائي؛ ارتقاء بمنظومة تطوير استراتيجية الأمن الغذائي وإدارة الخزن الاستراتيجي وتعزيز قدرة مواجهة المخاطر، ومن جهة أخرى كان لبعض المبادرات النوعية من وزارة البيئة والمياه والزراعة الأثر الإيجابي في تعزيز وتطوير دور المزارع، منها على سبيل المثال: إقرار برنامج (ريف) الذي يهتم برفع الكفاءة والإنتاجية لصغار المنتجين الزراعيين والأسر الريفية في تحقيق الأمن الغذائي، كما يعمل البرنامج على تنمية عدة قطاعات عامة وخاصة مركزا على المناطق الريفية المحددة؛ استنادا إلى الميزة النسبية للمناطق، كما فعل دور الإرشاد الزراعي؛ لتثقيف المزارعين بالطرق الحديثة لإنتاج محاصيل الحبوب حسب نوع المحصول والمنطقة الجغرافية التي يزرع فيها.

ومن أبرز وأهم المحاصيل التي يرتكز عليها الأمن الغذائي العالمي محاصيل الحبوب، ونعني بها المحاصيل التي تزرع من أجل الحبوب أو الدقيق المستخلص منها، ويمكن تسميتها بمحاصيل الأمن الغذائي الرئيسة، وهي القمح، والذرة الشامية (الصفراء)، والأرز، والذرة الرفيعة (البيضاء) والدخن والشوفان.

وأهم محاصيل الأمن الغذائي: محصول القمح الذي يعد الداعم الأساسي للأمن الغذائي، إذ إنه يزرع في معظم مناطق المملكة خلال فصلي الخريف والشتاء، ثم يليه في الأهمية الاستراتيجية للأمن الغذائي محصول الأرز، بيد أنه لا يعد من المحاصيل الشائع زراعتها في المملكة؛ لكونه يحتاج وفرة في المياه، ونوعية تربة لا تتوفر في جميع مناطق المملكة، ورغم ذلك فقد نجحت زراعته في محافظة الأحساء بالمنطقة الشرقية منذ القدم؛ لصلاحية واحة الأحساء للزراعة؛ ولتوفر مياه الري؛ وللمناخ الحار الرطب المناسب لزراعة الأرز.

أما الذرة الشامية (الصفراء)، والذرة الرفيعة (البيضاء) فتبرز أهميتهما الغذائية الكبرى؛ في كونهما من المحاصيل الصيفية، التي تنتشر زراعتها في المناطق الجنوبية والغربية والوسطى من المملكة، كما تمتاز هذا المحاصيل بجودة حبوبها في التغذية والصناعات الغذائية.

أما محصول الدخن فيعد من المحاصيل الواعدة للأمن الغذائي، وهو من المحاصيل التي يزرع في سهول تهامة وجازان والمدينة المنورة والقصيم، ويتميز بصفات تجعله أكثر تحملا للظروف البيئية القاسية.

وآخر محصولات الأمن الغذائي ذكرا في هذه المقالة، محصول الشوفان الذي ينتشر في المناطق الباردة في المملكة، ويزرع على نطاق ضيق في المناطق الغربية مثل الطائف، والمناطق الجنوبية الباردة؛ لذا فإن تشجيع زراعة محاصيل الأمن الغذائي بما فيها محاصيل الحبوب هي مسؤولية المهتمين في هذا المجال جميعا، وعلى رأسهم القائمون على إدارة عجلة التنمية الزراعية في بلادنا، ومن هذا المنطلق تجدر الإشارة إلى بعض التوصيات التي من شأنها الرفع من إنتاجية تلك المحاصيل - التي عمل ببعضها - من أجل أمن غذائي مستدام، وهي على النحو الآتي:
1 - الحاجة الماسة لزيادة التوسع الأفقي في إنتاج محاصيل الحبوب وفق الظروف البيئية للمناطق المناسبة لزراعة هذه المحاصيل، مع الأخذ بالاعتبار المحافظة على الموارد المائية والعناصر الغذائية في التربة.
2 - التركيز على المناطق المطرية في الاستفادة من مياه الأمطار، بتشجيع مشروع حصاد مزروعات مياه الأمطار، وزراعة المدرجات الزراعية بمحاصيل الحبوب الصيفية الملائمة مثل: الذرة الشامية والذرة الرفيعة والدخن، والمحاصيل الشتوية: كمحاصيل القمح والشعير والشوفان.
3 - تشجيع المراكز الناشئة ودعمها، ومنها؛ مركز البذور والتقاوي، وبنك الأصول الوراثية التابع لوزارة البيئة والمياه الذي يعنى بزيادة محاصيل الحبوب والمحافظة على الأصول الوراثية للأصناف المحلية ذات الصفات المحصولية الممتازة.
4 - تطوير زراعة محصول الأرز الحساوي في واحه الأحساء، مع مراعاة المحافظة على الموارد المائية وفق الخطة الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030م.
5 - تشجيع التحول لاستخدام الزراعة الذكية القائمة على التقنيات المتقدمة في إدارة محاصيل الحبوب؛ لتحسين منظومة ‫الزراعة بعيد عن استنزاف الموارد الطبيعية،‬ وتجنب الممارسات الخاطئة مثل الإسراف في استخدام ‫المبيدات والأسمدة الكيميائية.
6 - رفع كفاءة خريجي كليات الزراعة؛ باعتماد برامج أكاديمية نوعية يراعي فيها مهارات إدارة الحقل الحديثة؛ لمواكبة النقلة الزراعية الحديثة.
7 - الاهتمام بحصر الأمراض والآفات المنتشرة محليا التي تفتك بمحاصيل الحبوب، ومعالجتها بأحدث الوسائل المنتجة.
8 - تشجيع الأبحاث والدراسات النوعية في مجال إنتاج محاصيل الحبوب ودعمها، بما يلائم الظروف البيئية لكل منطقة.
9 - تطوير برامج تدريبية وإرشادية للفنيين والمزارعين، والاستفادة من الخبرات في الجامعات ومراكز الأبحاث.
ختاما، فإن بلادنا - ولله الحمد والمنة - في ظل اهتمام ورعاية حكومة خادم الحرمين الشرفين وسمو ولي عهده الأمين، لم تأل جهدا في سبيل السعي لعمل برامج نوعية، واستغلال التنوع الجغرافي والثقافي مع توظيف طاقات الشباب؛ لتحقيق أمن غذائي مستدام؛ للارتقاء ببلادنا إلى مصاف الدول الرائدة في الإنتاج الزراعي وفق رؤية المملكة 2030؛ لينعم المواطن والمقيم على هذه الأرض الطاهرة بالأمن الغذائي بعد توفيق الله ورعايته.



nghumaiz@