بشرى فيصل السباعي

المعادلة الرياضية للعدل والاستقرار

الأحد - 29 أكتوبر 2023

Sun - 29 Oct 2023

من أكثر المصطلحات العلمية شيوعا في برامج الحوارات السياسية ونقاشات الشأن العام في الغرب، لكنها غير معروفة في العالم العربي، مصطلح «معادلة اللعبة الصفرية المحصلة - zero-sum game»، باعتباره يمثل سبب غالب المشكلات والمعضلات والظواهر السلبية التي يناقشونها من الحروب والثورات والإرهاب والمظاهرات إلى ارتفاع نسب الطلاق والتسرب الوظيفي والعزوف عن الزواج، والصراع بين الجنسين.

هذه المعادلة هي من «نظرية اللعبة-Game theory»، وهي أحد أبرز نظريات الاقتصاد والمنطق الرياضي، ونال عنها ثمانية علماء جوائز نوبل، وتطبيقاتها تشمل كل مجالات العلوم والسياسة والنفس والاجتماع والتخطيط، وهي تبحث في آليات واستراتيجيات التفاعل بين الأطراف المختلفة في مجال معين ونتائجه، وسميت باللعبة بسبب الطبيعة التفاعلية للعلاقات، وهناك نمطان أساسيان فيها: نمط «اللعبة الصفرية المحصلة»، وهي التعاملات التي يكون فيها ربح طرف هو على حساب خسارة الطرف الآخر، بحيث يكون الباقي من طرح حساب ربح أحدهما من حساب خسارة الآخر هو صفر، ولذا تستفز الطرف المحروم من فرصة الربح للمطالبة بحقه في أن يكون طرفا رابحا، ولا يمكن قمع ردة فعله الاحتجاجية هذه، لأنها من أصل الفطرة وهذا ما أثبتته التجربة الشهيرة عن مفهوم العدل لدى القردة، إذ قام الباحثون بجعل قردين يقومان بالمهمة ذاتها وتمت مكافأة أحد القردين بالعنب الذي تحبه القرود، بينما تمت مكافأة القرد الآخر بالخيار الذي لا تفضله القرود، فقام القرد الذي تلقى الخيار برمي الخيار على الباحث، وبدأ في إحداث الفوضى وتكسير الأشياء ومهاجمة الباحث، احتجاجا على عدم العدل بالمعاملة، مما أثبت للعلماء أن الحيوانات لديها مفهوم العدالة، والذي يتمثل بالمساواة في المعاملة.

لذا، عندما يطلب من النساء الرضا بعدم العدل والمساواة في المعاملة مع الرجال، فما يطلب منهن ترفضه حتى القرود، وهذا أيضا سبب الأوضاع المشتعلة باستمرار في فلسطين، والحكمة تقول: «من ساواك بنفسه ما ظلمك».

النمط الآخر لنظرية اللعبة: «اللعبة غير صفرية المحصلة- non-zero-sum game»، وهي التفاعلات التي لا تكون فيها بالضرورة مكاسب طرف معتمدة على خسارة الطرف الآخر، أي يمكن أن تكون كل الأطراف رابحة، ثم هناك ما تسمى بنظرية «معضلة السجين-The Prisoner Dilemma» وتقول، إنه عندما تتخذ الأطراف المعنية قرارات تراعي فقط مصالحها الأنانية فسيكون الكل خاسرا، أما أشهر استراتيجية من استراتيجيات نظرية اللعبة؛ «Tit for tat-واحدة بواحدة»، إذ يقابل كل فعل من أحد الأطراف رد فعل من جنسه متجاوب معه من الطرف الآخر فيتحقق التوازن.

أما الخسارة فتحصل للطرف الذي لا يتخذ خيارات فعالة تتجاوب مع أفعال الآخر وتوازنها، وليتجاوب الآخر يجب أن يكون هناك محفز له للتجاوب، متمثل في إما خسارة يريد تجنبها أو مكسب يطمح إليه.

كل هذه النظريات الرياضية هي من المفاهيم السلوكية الفطرية التي جاء العلم ليؤكد أنها تمثل قوانين يقينية مثبتة بالمعادلات الرياضية، مثل يقينية أن التفاحة ستسقط على الأرض بسبب قانون الجاذبية، ولا يمكن جعل التفاحة عندما تسقط تبقى معلقة في الهواء، لأن هذه إرادة أحدهم، أو أن هناك تبريرا أيديولوجيا لإرادة بقائها معلقة بالهواء، وبالمثل لا يمكن جعل طرف ما يرضى بعدم المساواة والعدالة والتوازن لمجرد أن طرفا آخر يريد منه أن يرضى بها، مهما تم التدليس بتلبيس الدوافع الأنانية، بتبريرات دينية أو ثقافية أو سياسية أو دعائية.